لبنان منقسم الآن بين أنصار سوريا وأنصار الثورة على نظامها، ولو حدثت تطورات جذرية في الساحة السورية سواء ببقاء نظامها الحالي أو سقوطه، فإن التداعيات على لبنان ستكون أكثر فداحة.


أمستردام: في الوقت الذي تعرب فيه الادارة الاميركية بلسان الناطق باسم وزارة خارجيتها مارك تونر عن قلقها من تدهور الوضع الامني في لبنان بعد مقتل رجلي دين سنيين واندلاع اعمال عنف بين مجموعات مؤيدة للنظام السوري وأخرى مناهضة له، فإن النخب العربية تقرأ الموقف بين احتمال قريب لحرب أهلية، وآخر بعيد، لكنها تجمع على أن فتيل العنف في سوريا يرتبط بخيط يمتد الى برميل بارود تتحكم به دمشق بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

جني الأرباح
ويسمي الكاتب حسام عيتاني المرحلة الحالية بموسم quot;جني الأرباحquot;، فانشغال النظام السوري بالثورة والحصار الاقتصادي وأزمته العامة، من جهة، وارتباك الحكومة التي شكّلها حلفاء سورية في لبنان حيال حجم التغيّرات في المنطقة وإخفاقها في إيجاد لغة مشتركة ما بين أعضائها وتفكك مؤسسات الدولة، الخدمية والادارية والامنية، من جهة ثانية، تعطي المعارضين انطباعاً بإمكان تحسين مواقعهم.
ويتابع عيتاني مدونًا في مقاله في جريدة (النهار) اللبنانية : على غرار الأسواق، غالباً ما يترافق laquo;جني الأرباحraquo; مع انخفاض مؤشرات السوق. فانفلات الأمن وتدهور الوضع الاقتصادي، وعلى الرغم منخطرهما الداهم، إلا أنهما يظهران اقتراب الحال التي أراد بشار الأسد وانصاره إرساءها في لبنان، من نهايتها.
ويرى عيتاني أن قيادة laquo;حزب اللهraquo; أكدت مرات عدة أنها متمسكة بحكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وهو ذات موقف دمشق، رغم الانتقادات الحادة التي وجهت الى ميقاتي من قبل أقرب الحلفاء الى النظام السوري. ويدرك الحزب والنظام استحالة استبدال الحكومة الحالية بواحدة أكثر استجابة لضروراتهما في الظرفين الداخلي والدولي الحاليين. وسيكون اسقاط الحكومة مؤجلاً إلى أن يرى laquo;حزب اللهraquo; والرئيس السوري مصلحة في ذلك، ارتباطاً بتطور الثورة السورية وخسارة النظام الأوراق التي ما زال يناور بها.
ويضيف:في نظر مجموعات كبيرة من المعارضة السنّية، خصوصاً غير المنضوية في تيار laquo;المستقبلraquo;، أن الوقت قد أزف لطي صفحة السابع من أيار (مايو) 2008 ومفاعيلها السياسية التي شكلها اتفاق الدوحة، حيث تحتل الثورة السورية ونصرتها، مكاناً مركزياً في تصورهم لتعديل ميزان القوى المائل بشدة لمصلحة laquo;حزب اللهraquo; منذ سنوات. وفيما يأخذ كثر على الحزب إصراره على ضرب laquo;المستقبلraquo; وزعامة سعد الحريري وما يمثلان من اعتدال - نسبي - في صفوف السنّة، ما فتح الطريق واسعاً امام فئات اكثر تشدداً في هذه الطائفة، يقول آخرون إن الحزب كان يتصرف بوعي وإدراك لما يعنيه سلوكه حيال الحريري. فالانغلاق الشيعي الذي ترافق مع تصاعد في الغرور وتجاهل الجوامع المشتركة مع اكثر من نصف اللبنانيين، لا يزدهر وينتعش إلا في مواجهة تطرف وانغلاق سنيين.
عيتاني: الاخطاء
ويركز عيتاني على جملة من الاخطاء التي ارتكبها هؤلاء ولا يستثني من ذلك تيار laquo;المستقبلraquo; منذ العام 2005 ومنها الافتقار الى الرؤية التصالحية مع الطائفة الشيعية وعدم فهم آليات اشتغال الاجتماع السياسي اللبناني وهيمنة مجموعة من قصيري النظر والنفس على التيار، إضافة إلى سلسلة من فضائح الفساد والصرف التعسفي في مؤسسات التيار وتلك التي يديرها أفراده، في بلد تتداخل فيه الشؤون السياسية بالاقتصادية بالعائلية.
جدير ذكره أن وقائع اليوم التالي لحادث مقتل الشيخ عبد الواحد ورفيقه محمد حسين مرعب في الكويخات افرزت اشتباكًا في الرؤى الأمنية والسياسية أججتها احتقانات مذهبية.
افرازات quot;الربيع العربيquot;
يدون الكاتب أحمد يوسف أحمد في مقاله في جريدة (الاتحاد) الاماراتية افكاره حول الحدث اللبناني باعتباره أحد افرازات quot;الربيع العربيquot;.
ويكتب احمد أن الاشتباكات بين حييquot;باب التبانةquot; وquot;جبل محسنquot; في طرابلس ليست الأولى التي تنشب لكنها قد تكون الأخطر، لأنها تتم بمناسبة الأحداث الجارية في سوريا بين مؤيدي النظام القائم أي العلويين، ومؤيدي الثورة أي السُّنة.
ويتابعأحمد أن الأحداث للأسف دليل على تأثر لبنان المباشر والعميق بما يجري في سوريا، ومن ثم على المخاطر المجتمعية والسياسية التي يمكن أن تصيبه من جراء تداعيات quot;الربيع العربيquot;، والتي قد تصل لا قدّر الله إلى العصف بالكيان اللبناني كله. ومع أن لبنان quot;الرسميquot; قد تبنى موقف النظام في سوريا، فاعترض على سبيل المثال على كافة قرارات جامعة الدول العربية ذات الصلة، فإن من الواضح أن المواقف الرسمية لا قيمة لها ما لم تعبر عن الحقائق المجتمعية القائمة.
ويذكّر يوسف احمد بأن لبنان منقسم الآن بين أنصار سوريا وأنصار الثورة على نظامها، ولو حدثت تطورات جذرية في الساحة السورية سواء ببقاء نظامها الحالي أو سقوطه، فإن التداعيات على لبنان ستكون أكثر فداحة مما جرى من قتال حتى الآن بين quot;باب التبانةquot; وquot;جبل محسنquot;، ولن تكون هذه هي العناوين الوحيدة لصدامات أخرى من المرجح أن تقع، ذلك لأن كل فريق من مؤيدي النظام السوري أو مؤيدي الثورة عليه يمكن أن يشعر بأن وجوده في خطر أو على الأقل وزنه في المعادلة اللبنانية وفقاً لمجريات الأمور في سوريا.
ويشير الكاتب الى موقف رفعت عيد المسؤول السياسي لـquot;الحزب العربي الديمقراطيquot; حين طالب بعودة الجيش السوري quot;لضبط الوضع الأمني على الساحة اللبنانيةquot;، حيث يعتبر يوسف ذلك موقفًا ( غير مسؤول ) لأن تدخل الجيش السوري مجدداً في لبنان سيعيده إلى أجواء الحرب الأهلية، إن لم يلقِ به في أتونها بالفعل.
ويرسم يوسف علاقة quot;فتنة طرابلسquot; بما بات يسمى بـquot;الربيع العربيquot; وتداعياته، ذلك لأن quot;ربيع الثورة العربيةquot; ارتبط للأسف بمناخ انقسامي عام في الوطن العربي ساعدت عليه خلخلة دولة الاستبداد، وعدم النجاح في تأسيس دولة قوية محلها تعبر عن الواقع الجديد.
اوكتافيا نصر:سلاح حزب الله
وتؤكد اوكتافيا نصر في مقالها في جريدة (النهار) اللبنانية على أن الحرب لم تتوقف يومًا في لبنان وأن عنف طرابلس طوال أسبوعَين من طبيعة الأمور في البلد، مشيرة الى أن الحرب جزء لا يتجزأ من حياة جميع اللبنانيين.
وعلى الرغم منذلك ndash; تتابع اوكتافيا - فإن اللبنانيين يخشون من عودة الحرب. وتستطرد : يشعر كثر بيننا بالقلق لأنquot;حزب اللهquot; لا يزال الميليشيا الوحيدة التي يُسمَح لها قانوناً باقتناء السلاح والحصول عليه بعد وقت طويل من انسحاب إسرائيل من لبنان وانتفاء علّة وجود الحزب أي quot;مقاومة الاحتلال الإسرائيليquot;.
وعن سبب توجّس البعض دائماً من الحرب، فإن ذلك يعود بحسب اوكتافيا الى أن الجميع يعلم أن الحرب لم تنتهِ عام 1990.
وتؤكد اوكتافيا أن اللبنانيين ومن حولهم يعيشون هذه quot;الحقيقةquot; المخادعة منذ وقت طويل.