رضوان السيد


تختلف المصائر ظاهراً بين الذين تقدموا صفوف الثورات وهم الآن على الهوامش أو في مواقع المعارضة لمتولّي السلطة، وتلك الشعارات التي طرحوها وما تزال تتصدر الخطابات الوطنية كلها، ويدعي كل طرف أنها مِلْكُهُ الخاص ولن يفرَّطَ فيه. قبل أيامٍ صرَّح رئيس الجمهورية التونسية، الليبرالي المنزع، بأنه إن لم تقم في تونس ديمقراطية حقيقية، فإن الثورة يمكن أن تتجدد. فبعد أكثر من عام ونصف على قيام الثورة وزوال الرئيس، ما تحسنت الأوضاع كثيراً، بل لم تتحسن على الإطلاق، وللجهات الثلاث البارزة: الأمن وفُرَص العمل واستتباب الأَوضاع الإدارية والسياسية. وكانت المؤسسات الدولية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي قد أبدت استعداداتٍ كبيرةً للمساعدة، وكذلك بعض الدول العربية. إنما حتى لو صدقت الوعود؛ فإن الآثار الإيجابية لن تظهر الآن أو في السنة القادمة. لكنّ الأكثر ظهوراً بالفعل هو الدمار الذي نزل بالقطاع السياحي، نتيجة إعراض السياح الأوروبيين عن المجيء إلى الشواطئ التونسية على مدى موسمين متتاليين. هذا فضلاً عن مغادرة الشركات الأوروبية، للمشكلات المتفاقمة مع العمال حول الأُجور والضمانات، والكساد في أوروبا والذي أعاد تونسيين ومغاربة إلى الوطن الأُم، والافتقار للاستثمار الذي يخلُقُ فُرَص العمل، والذي ما يزال يتريث ليتلمّسَ مآلات الأَوضاع. ووسط عدم التأكُّد هذا في بلد الثورة الأكثر هدوءاً، عقد حزب حركة quot;النهضةquot; مؤتمره العلني الأول، والذي كثُر فيه النقاش حول التعينات والمسؤوليات، أكثر من النقاش حول البرامج، ما دامت الحركةُ مسؤولةً عن قيادة النظام في هذه المرحلة الحاسمة من عمر الدولة التونسية (الجمهورية الثانية). وحصل ذلك ليس بسبب الافتقار إلى الأُفُق فقط؛ بل وللنزوع البراجماتي الذي ميَّز خطوات الحركة منذ الانضمام إلى الثورة بعد ذهاب بن علي. ومن ضمن تلك البراجماتية طبيعة النظام، وهل هو رئاسي أم برلماني، ومسألة الإسلام والدستور، والبرنامج الذي تعرضه الحركة للنهوض بالاقتصاد، والتحالفات المقبلة بعد المرحلة الانتقالية التي تنتهي خلال عام.. إلخ. ومن الواضح أن أموراً بهذه الأهمية والحساسية ينبغي أن تكون فيها توجُّهاتٌ عامةٌ إن لم تكن فيها برامج محدَّدة. والاعتماد على البراجماتية وحدها من أجل المرونة والحِراك غير كافٍ، ولا يدلُّ على اهتمامٍ حقيقيٍّ بإقامة نظامٍ جديد، بقدْر ما يدلُّ على التشبُّث بالبقاء في السلطة. والواقع أن نقطة القوة الرئيسية للحركة هو أنه لا بديل حقيقي لها. وحتى الحلفاء الذين عملت معهم بعد الانتخابات فهم يعتمدون عليها. وقد أضرَّ بـquot;النهضةquot; ليس هذه البراجماتية الإيجابية أساساً، بل الفشل أيضاً في الوصول إلى طريقةٍ سليمةٍ للتعامُل مع السلفيين والإسلاميين المتشددين الآخرين. فهؤلاء يتعمدون الإزعاج والإحراج للناس ولـquot;النهضةquot; في التفاصيل اليومية وليس في القضايا الكبرى. إذ يعمدون لاحتلال المساجد، وللتظاهر في الصغيرة والكبيرة، وفرض الحجاب أو النقاب هنا أو هناك، والتصدي للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فضلاً عن الخطابات النارية في الفارغ والمليان. ومن المراقبين من يذهب إلى أن هؤلاء ظاهرة صوتية، وأن الإهمال وعدم الضغوط يؤدي إلى التضاؤل والزوال. لكن الليبراليين يُظهرون انزعاجاً شديداً ويحمِّلون الحركة أَوزار ما يحدث من إزعاج وتخريب. وتُصرُّ الحركة على تطبيق القانون دونما تجاوُزٍ أو ميلٍ لهذه الجهة أو تلك، مع تجنُّب استخدام العنف.

وتظلُّ مشكلات تونس صغيرةً وممكنة الاستيعاب، مقارنةً بما حصل ويحصل بمصر. فرئيس الجمهورية الحالي هو من quot;الإخوان المسلمينquot;، وكان عنده برنامج في الحملة الانتخابية عنوانه النهضة. وفي البرنامج جوانب اقتصادية واجتماعية، لكن تظل الجوانب الثقافية وجوانب الهوية بارزةً وقوية. وquot;إخوانquot; مصر براجماتيون أيضاً، لكنّ جمهورهم المنظَّم متشدد ومتسلِّف. وعلى يمينهم أحزابٌ سلفيةٌ صغيرة وكبيرة. وقد استطاعوا حتى الآن استيعاب جموحهم، لكنهم حريصون أيضاً على أن لا يمكِّنوهم من المُزايدة عليهم في هوية مصر الإسلامية. وهناك نقطتان بارزتان بعد الفوز بالرئاسة في برنامجهم: أسلمة جهاز الدولة أو أَخونته، وعدم الإصغاء لمشاركة أيّ فريقٍ سياسيٍّ باستثناء الجيش المفروض عليهم. وهاتان النقطتان لا يحرص عليهما راشد الغنوشي وحركته بتونس، لذلك ليست هناك أحقادٌ متصاعدةٌ بتونس؛ وذلك بخلاف الضغط الذي يمارسُهُ quot;إخوانquot; مصر على سائر الفئات والجماعات السياسية والمدنية. وقد جاء تعيينُ هشام قنديل رئيساً للحكومة دالاًّ على طبائع توجُّه quot;الإخوانquot;. فالرجل موظف تقني جيد أو تكنوقراط وحسب. وهو تابعٌ لهم من الناحية الفكرية والدينية وكان يفترض- بحسب اتفاق الرئيس مع حلفائه السياسيين بعيد الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة- أن تكون هناك شراكة كاملة معهم، وأن يكون رئيس الحكومة من الشخصيات الوطنية الكبرى المستقلة والتي تحظى بتوافُقٍ واسع. وما حصل شيء من ذلك. وإذا أُضيف لذلك ما يُشاع من أنّ في النية تعيين خيرت الشاطر نائباً لرئيس الحكومة للشؤون الاقتصادية؛ فمعنى ذلك أن يكون رئيس الجمهورية أخوانياً وكذلك رئيس الحكومة- وعلى ذلك كان رئيس مجلس الشعب قبل حلِّه، واللجنة التأسيسية لكتابة الدستور! وهذا الذي يحصُلُ من جانب quot;الإخوانquot;، يزيد من الانقسام على الساحة السياسية المصرية. وقد انقضى ثلث مدة المائة يوم التي وضع لها الرئيس برنامجاً حافلاً لتحسين الخدمات والأمن، دون أن يحصل شيء من ذلك. ومن الطبيعي في مثل هذه الحالة- ولدى جماعات ذات ذهنية أصولية- أن تتصاعد لديها أحاسيس المؤامرة الداخلية والخارجية. والواقع أنه لا شيء من ذلك قد حصل، فالجميع تقريباً تهافتوا على المناصب، وكانت وجهةُ نظر هؤلاء أنّ quot;الإخوانquot; بحاجةٍ إليهم لتحسين صورتهم، وقد أوهمهم quot;الإخوانquot; بذلك حتى انقضت الانتخابات، ثم صار لكلِّ حادثٍ حديث. فـquot;الإخوانquot; الآن يزعمون أنهم يمثلون الثورة والجمهور معاً. وكلُّ من يقف بوجههم متهمٌ إما بالعداء للإسلام أو العداء للثورة! ويسخر خصومهم منهم بسبب صداقتهم مع الأميركان، ومع إيران. وإيران لا تستطيع المساعدة الآن بسبب أوضاعها السيئة بالحصار. ثم إنّ quot;الإخوانquot; لا يريدون التشاجُر مع السعودية في خضمّ صراعها مع إيران. لكن الواقع أنّ كلَّ ملفات مصر اليوم محليةٌ، وسيهتم quot;الإخوانquot; بشؤون الفقر والخمات أكثر من النظام السابق. لكن من أين لهم بالموارد؟ وكيف تُستعادُ البيئة الودودة تجاه المال والأعمال والتي كان يؤمِّنُها النظامان السابقان بمصر وتونس؟! يذهب كثيرون إلى أنّ الشبكة العالمية التي يملكها quot;الإخوانquot; دعمتهم وستدعمهم. لكنّ شيئاً من ذلك لم يظهر حتى الآن!

يتميز المشهدان بتونس ومصر بأن ّالإسلاميين هم البارزون على الساحة، وأنّ الشبان المدنيين الذين أثاروا الثورات ابتعدوا. وتُظهر حركة quot;النهضةquot; قدرةً أكبر على الحِراك ومرونةً أكبر في التعامل مع المخالفين لها سياسياً، من المدنيين والإسلاميين. وما تزال شعارات الثورة في البلدين مطروحة. لكن الوهج الذي خالطها من قبل قد فارقها، وعاد الناس للاهتمام بالشأن اليومي الذي يستنفد كلَّ اهتمامهم. وليس بالوسع الحديث الآن عن حركة تذمُّر ضد الإسلاميين؛ بيد أنه حتى الحزبيين ما عادوا يُظهرون حماساً شديداً. ولتونس بيئةٌ حاضنةٌ في الجوار وفيما وراء البحار وإن ظلت حركتها بطيئةً حتى الآن، لكنْ ليس لمصر بيئةٌ مماثلةٌ لا في الجوار ولا في الخارج. وإذا كانت هموم ما بعد الثورة قد بدأت في تونس ومصر وليبيا واليمن وستنعكس ولا شك لغير صالح الإسلاميين دونما وجود بدائل؛ فإنّ الأوضاع بسوريا ما تزال مشتعلةً كما هو معروف، وهي تستتبع عواقب تتجاوز ثنائيات الإسلاميين وخصومهم.