غسان حجار


وإن عبّرت زيارة البابا بينيدكتوس الـ16 الآتي الينا اليوم، عن اهتمام بالمسيحيين في لبنان والشرق، فهذا ليس عيباً ولا عملاً منقوصاً، أن يقوم رأس الكنيسة بإطلالة على رعيته يسأل عن احوالها ويستنهض هممها، ويعمل لبثّ روح الأمل في أوصالها، بعدما أصابها احباط دهري، لا مجال لتعداد اسبابه، وتحديد المسؤوليات عنه، هنا، والآن.
اذاً، الزيارة في بعدها الأول مسيحي، وتحديداً كاثوليكي، علماً أن هذه الحسابات المذهبية الضيقة سقطت من روزنامة الفاتيكان بالنسبة الى مسيحيي المشرق، لأن أكثرهم ارثوذكس، بل اقباط ارثوذكسيون، لا يتبعون اياً من الكنيستين الكاثوليكية أو الارثوذكسية في العالم. ودوائر الكرسي الرسولي تهتم اليوم لوضع الأقباط ومصيرهم، رغم أنها تحاذر التدخل المباشر في شؤونهم، لكنها وضعتهم نصب عينيها للدفاع عنهم، لأنهم العديد الأكبر لمسيحيي هذه المنطقة العربية.
البعد المسيحي مهم جداً في هذه الزيارة، فكنيسة المشرق خائفة، بل مرتعبة من مصير اسود، عملت القوى الصهيونية على الدفع باتجاهه مراراً، فدفعت البواخر الى لبنان لتهجير مسيحييه، وهجّرت مسيحيي الارض المقدسة، وهي تشعل الفتن في غير بلد عربي لإذكاء النعرة المذهبية، وتهجير الأضعف والأقل عدداً، أي المسيحيين الشرقيين الذين يعادونها في صميمها.
وأدوات المشروع الصهيونية كانت ولا تزال بعض القوى الاسلامية المتطرفة التي تنجرّ، بوعي وبغير وعي، الى تنفيذ المخططات، فتساهم مباشرة في ما تتمناه الصهيونية لها وللمنطقة.
البعد المسيحي مهم جداً في الزيارة، خصوصاً أن تبدلات كبيرة طرأت منذ انعقاد السينودس من أجل الشرق الاوسط في تشرين الأول 2010، اذ لم تكن الثورات ومتفرعاتها من الحروب الاهلية، قد بدأت شراراتها، ولم يكن أصاب مسيحيي سوريا ومصر والعراق، ما يصيبهم اليوم، وما زاد من جنوح السلطات الجديدة الى الاسلاميين، وضاعف مخاوف المسيحيين على مستقبلهم.
أمور كثيرة طرأت، وليست لدى المسيحيين محلياً القدرة على مجاراتها بغير الانكفاء ومزيد من الهجرة. فالمواجهة تتطلب الامكانات، وهي غير متوافرة، مادياً ومعنوياً، اذ بخلاف ذلك، ما كانت الارض لتباع في معظم هذه الدول، ولما كان مطران حلب للكاثوليك مثلاً ليهرب تاركاً رعيته في عين العاصفة السورية، ولما كانت تعقد الندوات quot;البايخةquot; ليل نهار تتحدث عن مصير المسيحيين في هذه المنطقة وفي ظل الثورات.
لم يعد المسيحيون يفكرون في الدعم الخارجي، إلا في ما ندر، فقد جربوا كل الخارج واكتووا بنار الخيبة. ولا مكان حقيقياً لهم في ظل الصراع السني الشيعي المستعر في المنطقة العربية، ومن الخطر الدخول في صراع يمكن أن يجد حلولاً سياسية موقتة تطيح فجأة مستغلي هذه التناقضات. دورهم ان يقرّبوا ما بين المذاهب، وأن يزيدوا التفاعل بين الثقافات، حتى هذا الدور صار فضفاضاً عليهم.
لكن سوء الحال، لا يقتصر عليهم، فالشح الفكري، والانعدام الثقافي، والتراجع الحضاري، أصابت الجميع، المسلمين على مذاهبهم، ولم يعد لديهم سوى المال والسلاح يتمسكون بهما لمواجهة الآخر... هذا الآخر غير المختلف عنهم اساساً إلا في تفاصيل لا نرى فيها إلا ضعف إعمال العقل.
زيارة البابا لبنان اليوم تفيد المسيحيين إذا أحسنوا الافادة منها، ولم يضيعوا الفرصة، كما فعلوا جزئياً، مع الارشاد الرسولي الخاص بلبنان العام 1997، إذ تضمن مبادئ للناس أولاً، وللمؤسسات الكنسية التي لم تعمل في هديها منذ ذلك التاريخ. الزيارة تفيد المسيحيين اللبنانيين بالتأكيد، أما الدول العربية التي من اجلها انعقد السينودس وأعد الارشاد الرسولي، فلن يشعر مسيحيوها بنتائجه عليهم، في ظل انعدام الرؤية والرؤيا في غير بلد عربي، وفي ظل التخبط في مراحل انتقالية للسلطات الجديدة إذا استتبت، وفي ظل مزيد من التهجير والتهميش.
لكن الزيارة مفيدة للمسلمين، بقدر افادتها المسيحيين وأكثر. خصوصاً اليوم في ظل الحمأة الاسلامية على الفيلم المسيء لهم، الذي بثت مقاطع منه في 11 أيلول، واندفاع مسلمين الى اعمال ارهابية، وقتل، واعدام، واغتصاب، وحرق، كردة فعل عليه.
فالمسلمون في العالم العربي بأمس الحاجة الى تلميع صورتهم، وترميمها، إذ هي صارت ترتبط غالباً بالارهاب عبر العالم، وفي الصور الاخيرة في اليومين الماضيين عربياً، وصور قطع طريق المطار، الى الشيخ الأسير، الى خطف اتراك وسوريين، الى حوادث طرابلس في باب التبانة وجبل محسن، الى مواجهات عكار، ومؤسسة الكهرباء لبنانياً، إلا تأكيد لهذه الصفة الملازمة منذ 11 ايلول 2001.
المسلمون في لبنان هدأوا الاوضاع قبيل زيارة البابا، وهم سيستقبلونه بحرارة، وسينقل الصحافيون الألف الذين يغطون الزيارة، ان المسلمين رحبوا بالبابا أكثر من المسيحيين، وان وفوداً منهم ستلاقيه على طريق المطار، ووفوداً ستحضر القداس، كما سيلتقي البابا رؤساء الطوائف الاسلامية في قصر بعبدا.
ستكون صورة المسلمين في لبنان مقابلة لصورة الليبيين، الذين قتلوا السفير الاميركي، ولن يتساوى المسلمون هنا وهناك. هنا ستكون صورتهم حضارية تمهّد لدفع الحوار العالمي بين ابناء الديانات. هذه الصورة سينقلها الإعلام العالمي الى كل المعمورة، وهي ستفك عزلة بعض الاسلاميين المتشددين عن الظهور في الإعلام، إذ بعدما سلّط البعض الضوء عليهم سلباً، جلسوا يحاورون ويزايدون في شرح أهمية الزيارة.
الزيارة المفيدة في اعطاء صورة حضارية عن الاسلام والمسلمين، مفيدة ايضاً في ترميم صورة لبنان ككل، وتغيير الصورة السوداوية التي غزت العالم عنه في الاشهر الاخيرة. وصل الاعلاميون منذ ايام وبدأوا يعدون تقارير زاهية عن لبنان، الامن، والسياحة، والتعايش. وهذا سيحمل كثيرين في العالم على إعادة النظر في حذرهم من السفر اليه، ومن امتناعهم عن الاستثمار فيه. وفي كل هذا فائدة مشتركة عظيمة لا تميز ما بين مسيحي ومسلم. وهكذا تصبح الزيارة جامعة بكل ما للكلمة من معنى.
بعد كل هذا قال لي مسيحي quot;اصوليquot; ناقشته في المضمون السابق أمس quot;حتى زيارة البابا بدن يشلحونا اياهاquot;، فأجبته quot;هذا أهون التشليحquot;.