يعقوب أحمد الشراح


سنوات طويلة مرت على العالم العربي لم يتحقق شيء حضاري أو مساهمة علمية أو موقع ولو ضئيل على خارطة التقدم البشري الذي تحقق في الكثير من الدول رغم ما تتمتع به المنطقة العربية من ثروات طبيعية وبشرية وموروثات تاريخية وثقافية كانت لها الأثر الكبير في تقدم الدول الأخرى في الماضي. فالمنطقة العربية منذ عقود مضت وما زالت تعيش تخلفاً وتقلبات وأزمات حياتية لا تعكس نهاية أو سقفاً محدداً يمكن القول انه بعدها سيحدث ذلك التحول الكبير الذي ينتشل العالم العربي مما هو فيه من مآس وضياع.
سنون مضت كانت مفعمة بالقهر والظلم والاستبداد لسلطات تولت الحكم في المنطقة نتيجة انقلابات عسكرية، وتوارث حكم دموي لأنظمة ديكتاتورية سلكت سبيل البطش بشعوبها وأحكمت عليها سياسات الذل والهيمنة والتحقير، وسلب الحقوق. فمن يجرؤ أن يقول رأيا مخالفاً لسياسات الحكم أو يقف معارضاً لسلوك الحكام إلا ويجد نفسه في غياهب السجون والتعذيب والتصفية. نصب واحتيال وحقوق تهدر لشعوب تشعر أنها محتقرة من أسيادها ولا حول لها أو قوة أمام جبروت الطغاة إلا انتظار لحظة الخلاص من الشرور والفساد.
هذه السنوات المليئة بالقهر والظلم والألم هي التي أدت اليوم إلى الثورات العربية الشعبية التي اتسمت بقيادة الشباب وثورتهم على الواقع المظلم الذي يعيشون فيه، خاصة مطالبهم بحياة كريمة ومعاملة إنسانية تحافظ على الحقوق ولا تساهم في الهروب من واجباتها الوطنية. ومع أن هذه الثورات التي حدثت في بعض الدول العربية كانت لها رسالة سامية وأهداف نبيلة تخلصت من الطغاة وأوقفت هدر أموال الشعوب وإذلالهم وتخلفهم إلا أن واقع هذه الثورات يعكس أيضا تدخلات كثيرة لا تصب في أهدافها الإنسانية وحركتها نحو التغيير ما جعلها أكثر عرضة للازمات وصعوبة التوصل إلى كل ما تريد لأسباب عديدة منها سيادة التضارب في المصالح للذين جاءوا في الحكم بعد الثورة، وتنازع الأيديولوجيات، وتصادم الطائفية والكراهية العرقية.
ولقد زادت التعقيدات أمام هذه الثورات بسبب عدم التدرج في إرساء عوامل التغيير وفق خبرات سياسية وتاريخية وعلى أساس فهم واضح لمتطلبات التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تتطلبها مرحلة ما بعد الثورة. فالتغيير الشامل دفعة واحدة وفي زمن قصير بلاشك يصطدم بالكثير من العقبات على المستويين التخطيطي والتنفيذي حيث يلاحظ الانفلات وعشوائية الإجراءات والقرارات التي تعكس الفوضى والتسرع وعدم الواقعية.
بل ان هذه الثورات العربية بما تعاني من مشكلات أفرزت أيضا اتجاهات شعبية تنادي بعضها اليوم بإسقاط الثورات عن طريق ثورات أخرى بحجة سيادة سياسات حزبية لا تعبر عن تطلعات كل الفئات الشعبية، وإنما تمثل تكتلاتها واتجاهاتها السياسية. ومع أن هذه الثورات تتسم في حقيقتها باندفاعات عاطفية نتيجة الشعور بالظلم والقهر إلا أنها أيضا تظل منغمسة في شحنات هذه العاطفة من دون التخطي إلى مرحلة التفكير والتخطيط الذي تتطلبه مستهدفات الثورة من حيث الاستقرار الأمني والتنمية ومعالجة المشكلات التي قادت الناس إلى الثورة والرغبة العارمة في تحسين الأموال.