قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

صالح القلاب

في الأسبوع الفائت، بينما كانت معركة مفاوضات النووي بين إيران ومجموعة «5+1» وإيران في ذروتها، تحدثت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن أن البيت الأبيض يعد استراتيجية جديدة للشرق الأوسط للأشهر الـ18 المتبقية من الولاية الثانية للرئيس الأميركي باراك أوباما. والسؤال الذي من الضرورة الإشارة إليه، قبل التوقف عند بعض المسائل المهمة المتعلقة بهذه المفاوضات، هو: ما الذي من الممكن إنجازه خلال هذه الفترة التي باتت تنشغل الإدارة الأميركية فيها بمعركة الانتخابات الرئاسية المقبلة التي من الواضح أنها لن تكون سهلة ولا مريحة للديمقراطيين ولا للجمهوريين على حدٍّ سواء؟!

وذلك على افتراض أن البيت الأبيض يقصد بالقضايا التي، حسب «وول ستريت جورنال»، بدأ بالإعداد لاستراتيجية لها، القضية الفلسطينية التي هي أمُّ وأهمُّ قضايا هذه المنطقة، ثم قضية التصدي لـ«داعش» وباقي التنظيمات الإرهابية، وقضية العراق، وقضية سوريا، وقضية اليمن، وقضية التمدد الإيراني الزاحف، وقضية ليبيا بالطبع، وأيضا ربما قضية النزوح البحري نحو الدول الأوروبية المشاطئة للبحر الأبيض المتوسط والبعيدة.

ولعل ما قد يكشفه الأميركيون هو أنَّ ورطتهم بالنسبة لهذه المفاوضات التي استطالت أكثر من اللزوم هي أنهم تفاوضوا مع أناس غير سهل التفاوض معهم. فالإيرانيون الذين أخذوا من صناعة السجاد العجمي طول البال والقدرة على الاحتمال وعدم الكلل والملل، بقوا يفاوضون بهدوء أعصاب وبإثارة الكثير من المسائل المعقدة الجديدة كلما اعتقد مفاوضوهم أنهم اقتربوا من خط النهاية، وكلما ظن وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن طريقه إلى جائزة نوبل، التي يبدو أنها غدت همه الوحيد الذي لا هم له غيره، بات سالكا وآمنا.

كان على مفاوضي مجموعة «5+1» أن يدركوا سبب اختيار الأميركيين للمفاوض البارع، اللبناني الأصل، فيليب حبيب لمفاوضة الفيتناميين في مفاوضات باريس الشهيرة التي كانت أصعب من خرط القتاد، فذلك الاختيار لم يكن اعتباطيا وهو يتعلق بمهنة والد هذا الدبلوماسي المحنك والطويل البال وغير النزق، فوالده كان تاجر سجادٍ عجمي، وهذا يعني أنه كان يزاول أيضا مهنة «رثْي» ما كان يصيبه عطبٌ من سجاده ومن سجاد غيره.

وحسب بعض الذين تابعوا مسيرة فيليب حبيب السابقة واللاحقة فإن اختيار واشنطن لهذا الرجل، الذي يسود اعتقاد بأنه تجاوز بدهائه وطول باله هنري كيسنجر كثيرا، ليشرف على المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية غير المباشرة بعد غزو الإسرائيليين للبنان في عام 1982، لم يكن بالإضافة إلى أصله اللبناني ومعرفته القريبة بأدق المشاكل ووجهات النظر اللبنانية بعيدا عن أسباب اختياره ليترأس الفريق الأميركي المفاوض في مفاوضات باريس الشهيرة الآنفة الذكر.

المهم أنه على إدارة البيت الأبيض قبل أن تفكر في ما أشارت إليه «وول ستريت جورنال» والمتعلق بالإعداد لاستراتيجية جديدة للمنطقة، أي منطقة الشرق الأوسط، أن تضع في حسبانها أن الإيرانيين سيبقون يخلقون ويفتعلون المشكلة بعد المشكلة، وذلك حتى بعد توقيعهم الاتفاق النووي الذي تطلب التوصل إليه، جهدا مُضنيا.

في كل الأحوال، وعودة لسؤال: ماذا من الممكن أن تفعل واشنطن في الأشهر الـ18 المتبقية من الولاية الثانية للرئيس باراك أوباما بالنسبة لقضايا شرق أوسطية بقيت تدور حولها لنحو ستة أعوام وأكثر من دون أي إنجاز حقيقي ولو في الحدود الدنيا، وهذا إنْ لم نقل إن كل هذه القضايا من القضية الفلسطينية إلى المشكلة العراقية إلى مشكلة الإرهاب والمشكلة السورية قد ازدادت تفاقما وتعقيدا، بل وإن هذه الفترة قد شهدت بروز الأزمة اليمنية، وكل هذا مع الإشارة إلى أن إيران قد شكلت ولا تزال تشكل العامل الرئيسي لكل هذه المشاكل والأزمات المذكورة؟!

ما الذي من الممكن أن تفعله هذه الإدارة الأميركية المترددة التي ينقصها الحزم والعزم والإرادة القوية في الأشهر الـ18 من ولاية أوباما الثانية، بينما هي لم تنجز على سبيل المثال بالنسبة للأزمة السورية التي ازدادت تفاقما وازدادت مأساوية إلا تدريب 60 شخصا من منتسبي «المعارضة المعتدلة» الذين تقدم أكثر من 5000 منهم للتدريب ليس لإسقاط نظام بشار الأسد وإنما لمحاربة ومواجهة «داعش» وباقي التنظيمات الإرهابية؟!

ثم وماذا من الممكن أنْ تفعل إدارة أوباما في الأشهر الـ18 المتبقية من ولايتها الثانية بالنسبة للقضية الفلسطينية، بينما هي لم تنجز بالنسبة لهذه القضية، التي هي أم كل القضايا الشرق أوسطية بالفعل، سوى مفاوضات متوقفة ميئوس منها بوجود هذه الحكومة الإسرائيلية المتطرفة التي يرأسها بنيامين نتنياهو المعروفة كل توجهاته والمعروف ما الذي يسعى إليه ويريده؟!

لا شيء على الإطلاق، والمعروف أنَّ فرنسا كانت قد تقدمت بمبادرة قالت إنها قد تقدمت بها لكسر الجمود القاتل الذي باتت تغرق فيه القضية الفلسطينية بعد توقف المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولقطع الطريق على بروز جماعات متطرفة قد تحل محل منظمة التحرير، لكن ما يلاحظ هو أن الفرنسيين قد بادروا إلى سحب مبادرتهم هذه قبل أن يصيح الديك، ويقال هنا إن السبب هو أن باريس قد تعرضت لضغوط إسرائيلية – أميركية مشتركة اضطرت للرضوخ لها.

إن المفترض أنه معروف أنّ الإسرائيليين قد وصفوا هذه المبادرة الفرنسية بأنها لن تكون مثمرة لأنها، حسب نائبة وزير الخارجية الإسرائيلي تسيبي هوتفلي، تمنح الفلسطينيين وهمًا بأنهم سيحصلون على شيء من المجتمع الدولي من دون تقديم أي تنازلات، ولأن بنيامين نتنياهو نفسه قال إن المفاوضات المباشرة بين الجانبين هي وحدها التي من الممكن أن تخرج المفاوضات من النفق المظلم الذي دخلت فيه، والواضح أنها لن تخرج من هذا النفق ما دامت هناك هذه الحكومة الإسرائيلية المتطرفة.

لقد قالت «وول ستريت جورنال» إنه تجسيدا لهذه الاستراتيجية الآنفة الذكر التي تحدثت عنها واشنطن، سيكون هناك انخراط أميركي أكبر في النزاع في العراق وفي اليمن وسوريا وهكذا، ومع أن هناك من يقول إن أوباما قبل مغادرته البيت الأبيض في عام 2017 سيركز على معالجة هذه الفوضى التي تعمُّ معظم دول المنطقة وإنه سيمارس ضغطا فعليا من أجل حل الأزمة السورية على أساس خروج الأسد نهائيا من الحكم، لكن ورغم هذا كله فإن تجربة الأعوام الستة الماضية تجعلنا لا نطمئن إلى أن الأشهر الـ18 المتبقية من ولاية رئيس متردد ستشهد إنجاز المعجزات بالنسبة لقضايا الشرق الأوسط المتفاقمة وأهمها، على الإطلاق، القضية الفلسطينية.

إن هذا هو واقع الحال، والمؤكد أن إيران وحتى بعد توقيعها الاتفاق النووي مع مجموعة «5+1» فإنها لن تتوانى عن خلق ألف مشكلة جديدة، فهي لا يمكن أن تتخلى عن تمددها في العديد من دول هذه المنطقة، العراق وسوريا ولبنان واليمن تحديدا، وهي ستواصل محاولات فرض نفسها كرقم رئيسي في المعادلة الشرق أوسطية.. ولهذا فإنه لا بد من التساؤل لمرة ثانية وثالثة وعاشرة وألف عما يمكن أن تفعله إدارة أوباما في الأشهر الـ18 من ولايتها الثانية؟!