سلمان الدوسري

لم يكن مشهدًا «هوليووديًا»، وربما لو كان جزءًا من فيلم سينمائي لاعتبر فيه من المبالغة الشيء الكثير، فالمقطع المتداول لمواجهة الأمن السعودي مع إرهابيي حي الياسمين في الرياض، لخص مئات القصص والمواجهات لنحو أكثر من عقدين من الزمن. تاريخ لم يروَ بالصوت والصورة لأن مثل هذه الأحداث من المستحيل متابعتها وتوثيقها إلا فيما ندر. أما في الحادثة الأخيرة، فشاءت الصدف أن تصل للعالم أجمع حقيقة مواجهة السعوديين للإرهاب والإرهابيين، هؤلاء الذين كانوا للأسف أيضًا سعوديين، لكنهم ما فتئوا يُصورون وكأنهم يمثلون شيئًا كبيرًا في السعودية، حتى وهم يستهدفون بلادهم ومواطنيهم أولاً وثانيًا وعاشرًا.
المواجهة بين رجل الأمن العريف جبران عواجي، وهو الذي أبهر العالم بشجاعته وبسالته وإقدامه، والإرهابيين، لخصت بوضوح المعركة ضد الإرهاب في المملكة. إرهابيون راغبون في قتل المجتمع، هاربون من الموت لكن إلى الموت، ومواطن سعودي برتبة رجل أمن لا يهاب الموت من أجل الحياة، معركة أريد لها طويلاً أن تصور على غير حقيقتها وواقعها، لم ينقسم السعوديون في متابعتها، كانوا كطبيعة البشر مع الحق وضد الباطل، جبران عواجي يمثلهم في مواجهة جماعة إرهابية، تعلن وتصرح وتنفذ عملياتها ضد عدوتها السعودية، ومع هذا يراد لهذه الدولة، المتضرر الأكبر منها، أن تكون مسؤولة عنها. عجبًا!
ولأن السعوديين لم يعتادوا أن يعلقوا على جدران التاريخ صور شهدائهم، ولا يسطرون بطولات قواتهم في حربهم الكبرى ضد الإرهاب، الذين طالما ضحوا بحياتهم لمواجهة الإرهابيين، فإن الإعلام في عمومه يحتفي في الغالب بصور سعوديين اختاروا التفجير والتدمير باسم الإسلام، سعوديين يسعون لتدمير بلادهم وقتل أبناء شعبهم، ثم يقدمون وكأنهم السمة البالغة، ويمثلون 20 مليون سعودي. إرهابيون اختاروا الصورة السوداء أن تكون مرسومة عنهم في حياتهم وعقب مماتهم. أما في حالة جبران، فهي توثيق لن يبرح الذاكرة مهما طال الزمن باعتبارها الصورة الحقيقية لمعركة السعوديين مع الإرهاب، ليس لأن العالم رأى بالصوت والصورة ما لا يظهر غالبًا، ولكن لأن أولئك الإرهابيين الذين قتلهم جبران هم الجزء المشوه من الصورة الواقعية للشعب السعودي.
لا شك أن في السعودية، كما في مصر أو فرنسا أو بريطانيا، متطرفين، دور الدولة الطبيعي محاصرتهم والسعي للقضاء عليهم. المتطرف، غالبًا، لا يعلن أنه كذلك، بل يفعلها إذا سمحت له القوانين. تلام الدول، بل وتحاسب، إذا سمحت بنفاذ المتطرفين إليها، أو دعمتهم، أو غضت الطرْف عنهم. مثلاً، هناك من يتلاعب بالقوانين ويمول الإرهابيين، يحدث ذلك في دول الخليج كما يحدث في أوروبا وأماكن أخرى في العالم. في هذه الحالة، تكمن مهمة الحكومات في تضييق الخناق، وتطوير الأنظمة حتى لا تترك الفرصة متاحة للتمويل مهما صغر حجمه، لكن هل من الممكن إطلاق التهم جزافًا؛ أن هذه الحكومة أو تلك سمحت بتمويل الإرهاب، بينما قوانينها تجرم ذلك وأفعالها تؤكد عدم موافقتها؟! الفكرة أن المتشددين يترقبون متى تسنح لهم الفرصة كي ينفثوا سمومهم وإشاعة التطرف، ليس بالمال وحده، بل كذلك بالفكر، ودور الدول هنا محاصرة المتطرفين كلما وجدوا خاصرة رخوة يتحركون منها.
لم تكن بطولة جبران بمعزل عن مئات من القصص التي لم تروَ، سواء في مكافحة الإرهاب أو على جبهة القتال الجنوبية ضد انقلابيي اليمن، الفرق أنها هذه المرة ذكّرت المتابعين، داخل السعودية وخارجها، بصورة واقعية للمواطن السعودي، هذا المواطن الذي شوهت صورته بطريقة ممنهجة وظالمة، من يدري قد تستطيع طلقات جبران عواجي ضد إرهابيي «داعش» أن تصحح شيئًا ولو يسيرًا منها.