قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد الصياد

ليلة الثامن والعشرين من يوليو/تموز الماضي ألقى الرئيس الأمريكي باراك أوباما خطاباً حماسياً هادراً أمام مؤتمر الحزب الديمقراطي الذي عقد في ولاية فيلادلفيا، كرس معظمه للهجوم الشخصي على المرشح المحسوب على الحزب الجمهوري دونالد ترامب. ومما قاله بالحرف: «إن القيم الأمريكية هي التي تجذب المتطلعين للغد، وتجذب رواد الأعمال من أرجاء المعمورة كافة. 

وإن كائناً من كان يحاول تهديد قيمنا، سواء كانوا فاشيين أو شيوعيين أو جهاديين أو ديماغوجيين نبتوا في أرضنا، فإنهم سيفشلون في النهاية». وبوصفه بالديماغوجي فإن أوباما قد وضع ترامب في سلة واحدة مع الفاشيين والإرهابيين. وفي عديد المرات التي كان فيها ينزع عنه قبعته الرئاسية ويستبدلها بقبعة فريق حملة انتخاب المرشحة هيلاري كلينتون، كان كثيراً ما يقترب من نعت المرشح الرئاسي ترامب ب«الشعبوي»، تساوقاً مع التوصيف الذي اختارته، وسوقته، وروجته عنه حملة كلينتون الانتخابية والتيار الإعلامي الرئيسي في الولايات المتحدة. 

إنما أوروبا، ممثلة في أحزاب اليمين التقليدية وأحزاب الاشتراكية الديمقراطية المتحولة إلى مواقع اليمين بمسمى اليسار المعتدل، هي التي سبقت الولايات المتحدة في إطلاق هستيريا التخويف، ما يسميه الإعلام الغربي، واستنساخاً منه بعض الإعلام العالم ثالثي الموازي، خطر صعود «الشعبوية» إلى مواقع السلطة في أوروبا وتهديدها «قيم الحضارة الغربية» وللنظم السياسية الليبرالية المستقرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. 

فقد ركب الوهم اليمين التقليدي في أوروبا الذي استمرأ احتكار السلطة والثروة منذ نهاية تلك الحرب المشؤومة، وأنه صار مالكاً لها، وليس «مستأجراً» لها تعاقدياً، مجتمعياً، بموجب عقد محدد المدة، هي الفترة الواقعة بين دورتين انتخابيتين. وذهبت الماكينة الإعلامية الغربية في حملة إشاعة الخوف والفزع لحد التحذير من تكرار صعود النازية في ألمانيا، والفاشية في إيطاليا إلى سدة السلطة مطلع ثلاثينات القرن العشرين الماضي. فهل هي أحزاب شعبوية كما يصفها خصومها الأيديولوجيون؟ وهل هي تشكل تهديداً حقيقيا بعودة النازية والفاشية للسلطة كما يزعمون؟ 

من بين التعريفات المختلفة للشعبوية، نميل إلى تعريفها باعتبارها جملة توجهات خطابية سياسية اقتصادية دوغمائية (الجزم والتعصب لرأي من دون الاضطرار لتقديم ما يسنده من براهين، أو القبول بمناقشته، وهو ما وسمه الإغريق بالجمود العقائدي والفكري).. سهامها موجهة مباشرة صوب استثارة ودغدغة عواطف الغوغاء والدهماء، أيضاً من دون الاضطرار لرفد هذا التصويب بالمعلومات والبيانات. 

من مطالعة سريعة للمشهد السياسي الأوروبي، سنجد أن ماكينته الإعلامية مشغولة هذه الأيام بالتهديدات المستجدة التي تشكلها أحزاب اليمين القومي الراديكالي لمعاقل سلطة أحزاب اليمين التقليدية. ولم توفر هذه الماكينة أقذع الأوصاف إلا وخلعتها على «هؤلاء» المنافسين الجدد. فهي تارة أحزاب فاشية، وأخرى فاشية جديدة، وثالثة نازية جديدة، ورابعة عنصرية، وخامسة معادية للسامية، وسادسة معادية للصهيونية، وسابعة بأنها مصابة بمرض الكراهية، وبفوبيا الخوف من المثليين.

فهل هناك بالفعل خطر يتهدد الأنظمة السياسية الليبرالية المستقرة في بلدان أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945 من جانب أحزاب اليمين المتطرف؟ وهل هناك ظاهرة يمكننا تمييزها وموافقة الميديا الغربية على وجودها، وعلى إطلاقاتها التحذيرية من مغبة تكرار صعود النازية في ألمانيا، والفاشية في إيطاليا مطلع ثلاثينات القرن العشرين الماضي؟ أم أن هذه المزاعم تندرج في إطار سياسية الإثارة والتهييج الإعلامي بدفع من ثقافة الفزعة، بغية تحويل هؤلاء المنافسين الجدد من أحزاب اليمين المتطرف، إلى بعبع لتخويف العوام منه وحصر نفوذه في «زوايا الحصص» التصويتية المقبولة من جانب أوساط الطبقة الحاكمة، التي لا تؤثر في التيار العام للطبقة السياسة الحاكمة المتداوِلة والمتقاسمة للسلطات فيما بينها؟