قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

شتيوي الغيثي

يمكن التعاقد مع مؤسسات تجارية في كل منطقة تتولى العمل على تفعيل الجانب الثقافي والفني، ويكون العائد إليها اقتصاديا

تنتشر أغلب الفعاليات الثقافية والفنية مؤخرا بعد سنوات طويلة من الغياب في المدن الثلاث الكبرى في السعودية، وفي بعض المدن الصغرى كاجتهادات شخصية من بعض القائمين على جمعيات الثقافة والفنون، وهي عادة تحصل أشبه ما يكون بفزعات فنية وثقافية لهذه الجمعيات لضعف المخصصات المالية لها مقارنة بالمخصصات المالية التي تحظى بها الأندية الأدبية مع أن أنشطة الجمعيات أقرب إلى حياة الناس وتلامسهم بشكل أفضل كونها مرتبطة بالفن. ومهما اجتهدت تلك الجمعيات إلا أنها تبقى محدودة العمل لغياب الدعم، ولذلك اقتصرت أكثر الفعاليات الفنية والثقافية في المدن الكبرى، وسبق أن جادلت عن هذه النقطة تحديدا في تمركز الذهنية التنموية على المدن الكبرى دون الأطراف، وها هي مرة أخرى تعود هذه الذهنية مع الالتفات إلى الفعاليات الفنية والثقافية على المدن الكبرى، كما تمنيت لو أن الذهنية التي اقتنعت مؤخرا بأهمية الفعاليات الثقافية والفنية أن توسع الدائرة لتشمل مدن الأطراف.
أعرف تماما أن الاتساع في الرؤية الفنية والثقافية لتشمل مدن الأطراف ربما يكلف مادياً، في حين كان من المفترض أن تتحول الثقافة والفن إلى مصدر من مصادر الدخل المادي، على الأقل لدى القائمين عليها. هذا الاتساع ستكون له ضريبته بالتأكيد، بمعنى أنه ليس من السهولة أن تقام الفعاليات في مدن الأطراف من غير أن يكون له مردود مالي، أو أن يكون عبئها على مؤسسات الدولة الثقافية أو الفنية، لكن ما يحصل حتى الآن حتى في المدن الكبرى لم يخرج عن إطار الدعم الحكومي للمؤسسات التي لها أنشطة ثقافية أو فنية، وعلى هذه الحال لم يتم قصر الدعم فقط على المؤسسات التي تتركز في المدن الكبرى ما دام أن الدعم ما زال قائما حتى الآن؟
يمكن القول: إنه – تقريبا - في غالب المدن الرئيسة في السعودية توجد جمعية للثقافة والفنون، وهي المؤسسة المخولة لإقامة الفعاليات الفنية والثقافية من فنون بصرية أو سمعية: سينما، مسرح، موسيقى، تصوير، خطوط، تشكيل وغيرها، وكلها تحظى بنوع من الاهتمام الشعبي، وخاصة في مجالي السينما والموسيقى لغيابهما سنوات طويلة، والصراع المجتمعي تجاههما أكبر من غيرهما، إلا أن هناك تعطشاً أكبر لهذين الفنين تحديدا لكونهما الأكثر انتشاراً على المستوى العالمي، وليس المحلي فقط، إضافة إلى أنهما أكثر مدخولا من الناحية الاقتصادية سواء متابعة أو عرضا أو صناعة على المؤسسات التي تهتم بهذه الأنشطة، وعلى هذا الأساس يمكن القيام بعمل يجمع بين الثقافة والفن والاقتصاد في اتجاه واحد إذا كان بالفعل أن المقصود هو العمل الاقتصادي من وراء تفعيل الفعاليات الثقافية والفنية. فإذا قلنا إنه من المهم دفع العجلة الثقافية الفنية وتنميتها اقتصاديا فإن من المهم التفكير في تفعيل الجانب الاقتصادي لجمعيات الثقافة والفنون لتعمل عملها، أما إن كان الهدف فعلا ثقافيا وفنيا خارج إطار التفكير الاقتصادي فلِمَ اقتصر الأمر على المدن الكبرى دون الأطراف؟ الأمر لا يعدو كونه دعما من جهة واقتصادا من جهة أخرى، وفي الحالتين من المهم الالتفات إلى مدن الأطراف.
هناك سياقان يمكن العمل عليهما: السياق التجاري وتفعيل اقتصاديات الثقافة والفنون - إذا صح التعبير - والسياق الفني الخالص الذي لا يخضع للرؤية التجارية بحيث يبقى الدعم قائما وهو الأقل بالطبع، وقد لا يكون مكلفا كالسياق الفني أو الثقافي التجاري، ولذلك يصبح من السهل التعامل معه بحيث يرفد الشيء بعضه الآخر، بحيث يكون لدينا فن خالص وفن تجاري يرضي كافة أفراد المجتمع بحيث لا يتغول الجانب الاقتصادي على الفن والثقافة، فيتحول إلى اللافن وإلى اللاثقافة، والشركات والمؤسسات التجارية يمكن أن تكون رافدا للثقافة والفن في السعودية حتى ولو عاد عليها اقتصاديا إلا أنه من المهم تخصيص جانب ونسبة محددة للفن الخالص، أي الفن الذي لا يخضع للمجال التجاري البحت، ولعل البنوك السعودية تكون رافداً من روافد الثقافة، بحيث تخصص ما نسبته واحد بالمئة مثلا من مدخولها إلى دعم جمعيات الثقافة والفنون حتى تستطيع لاحقا القيام بنفسها وتعمل لذاتها فنياً وثقافياً وأيضاً من الناحية الاقتصادية.
أيضا يمكن العمل على التعاقد مع مؤسسات تجارية في كل منطقة سعودية تتولى العمل على تفعيل الجانب الثقافي والفني في تلك المنطقة أو تلك، ويكون العائد إليها اقتصاديا مع الاشتراط عليها تفعيل حتى الفن غير الربحي، وتكون تحت إشراف جمعيات الثقافة والفنون بوصفها مؤسسات رسمية تحتاج المؤسسات التجارية إلى العمل تحت مظلتها، وعلى ذلك يذهب عبء الجانب الاقتصادي عن جمعيات الثقافة والفنون لتقديم أعمال فنية وثقافية معتبرة على مدى العام كاملا وتحويل الفنون والثقافة إلى جانب ترفيهي واقتصادي كبير.
إن من المهم، بعد الاهتمام في الفترة الأخيرة لتعميم الثقافة والفن، العمل على تفعيل اقتصاديات الثقافة واقتصاديات الفن، بحيث يشمل هذا الجانب غالب المدن السعودية، وأيضا تفعيل الثقافة المحلية فنيا، وهي الثقافة التي يوجد فيها الكثير مما يمكن أن يتم العمل عليه، فقط إذا أعطينا ثقافتنا الجانب الأكبر في تحويلها إلى عملية ثقافية وفنية وترفيهية في نفس الوقت. المهم أن تكون لدينا رؤية شاملة لكل مناطق السعودية.