&عبدالله بشارة

& منذ عامين ذهبت بصحبة الاقتصادي المرح فيصل العيار إلى نيويورك للمشاركة في «يوم الكويت في نيويورك» بترتيب مع مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك – للتعريف بالكويت من زاوية السياسة والاقتصاد، وكنت أول المتكلمين، في الساعة الثامنة صباحاً، وتصورت أن العدد، مع الوقت المبكر، سيكون محدوداً، لكنني وجدت القاعة مكتظة، المهم أنني انتقدت سياسة الولايات المتحدة في تجاهلها للتحرشات الروسية في سوريا، وحيرتها مع الدبلوماسية الإيرانية الفجة والغليظة في المنطقة، وبعدها انتقلنا إلى جلسة «علاقات عامة» يتعارف فيها المشاركون والمتواجدون، وجاءني أميركي فارع الطول بملامح صارمة ليبلغني بأنه استمع إلى كلماتي وأن المرشح ترامب سيفوز في الانتخابات، وكل القضايا التي تشكو منها في كلمتك ستتبدل، ثم ذكرني بعهد بوش بقيادته لتحرير الكويت وكلفتها البشرية في التضحية من أجل الكويت.. لم أصدق توقعاته بفوز الرئيس الحالي.

عندما نتحدث مع الذين تلاحموا معنا في عصر الشدة وفي ساعات الحيرة في أوروبا والولايات المتحدة، تقفز إلى الذهن بشاعة بعض التشريعات الكويتية في تجاهل حق من أعطى وتفانى وضحى، ومن أبرز مظاهر التجاهل ما يتمثل في القرار النحيس الذي اتخذه مجلس الأمة منذ ثلاثة عقود بحظر تجنيس غير المسلمين وإغلاق آفاق التجنيس في وجه من أتى وأعطى ومات في سبيل الكويت من بلدان غير مسلمة، ومن جيوش ليست من دول الإسلام، ورغم ذلك نتفلسف في إيجاد أعذار مقيتة.


وأسجل موقع الإحراج لأنني أتحدث كثيراً في لقاءات أوروبا وأميركا وأعرض صورة مزيونة عن مجتمع الكويت مع يقيني بأننا لسنا المجتمع المزيون مثل المجتمعات الراقية ذات الفكر المنتعش بالمواهب والقناص للنادر والمنفتح على الواعد.
من يتصور المسافات التي قطعتها الشعوب الناهضة في تأهيل المستحقين؟ ففي كندا وزير الدفاع من السيخ، ووزير الداخلية من الصومال، ووزير داخلية بريطانية هندي، وسفراء أميركا من كل الثقافات والأديان.
نقول إن الجنسية حالة سيادية تقدم تقديراً لمن يعطي ويسهم ويتحلى بالوطنية، ويملك مخزوناً فكرياً وعلمياً يثري الكويت، فلا يفرض علينا أحد أن نجنس ما لا يتفق مع مشاربنا، وطالما أن هذا هو المفهوم السائد والمبدأ الذي نلتزمه، فلا داعي لهذه المادة الشرسة في وطن عنوانه الإنسانية وقائده أميرها، وهو وطن صار أمنه واستقراره وهويته أمانة في ضمير المجتمع العالمي، كما هو وطن محسوب في سجلات الأمم المتحدة كوطن الاستنارة والنقاوة.
هذه المادة تتناقض مع سجلنا الإنساني وتخدش نقاوة أهدافنا ولا تتفق مع أحلامنا، وأجزم بأن تاريخ الكويت دوَّن في وثائقه سعة صدر المؤسسين في التعاطي الإنساني فاستقبل – كما نقرأ من الوثائق – كل من أتى من الجوار لم يجد ما يمنعه من الانصهار، كما لم يعترض أحد على مذهب أو دين.
نحن ندعو كل يوم أن تسود الحكمة مجتمعنا، ونؤمن بأن هذا الإقليم الحساس والمتوتر يحتاج حكماء يديرون مصيره ويزيلون منه البقع التي لا تنسجم مع طموحاته في رقي القرار.
جاءت البعثة الطبية الأميركية عام 1911، بأطباء من أميركا بديانة مختلفة، وفتش هؤلاء الأطباء عن فنيين ومساعدين فالتقوا بهم في العراق وانفتحت أبواب الكويت لهم كأطباء ومساعدين ومتدربين في مسار الأشعة وضرورات العلاج، وأقرأ من كتبهم التي دونوا فيها تجاربهم في الكويت عن أعداد القتلى في معركة الجهراء، ومساهتمهم في علاج الكويتيين كما سجلوا تاريخهم.


في الدول المتقدمة والمتطلعة إلى الرقي والابداع يظل السؤال: ماذا أعطيت وليس من أنت؟ هذه هي القاعدة التي تتحكم في المجتمعات التي خرجت من التخلف إلى عالم المعرفة والفكر والاكتشاف.
طغت أمواج التجنيس على المجتمع الكويتي في الفترة ما بين 1967 – 1971، واتسعت ملفات التجنيس ليس وفق المبدأ العالمي لمن يفيد ولمن يبدع ولمن يسخو ولمن يرتفع بالكفاءة، وإنما في الغالب، بالتداخل بين أطياف قبلية وفزعة وساطات وتسامح السلطات وسوء تقدير في الحسابات، واتسع الشق على الخياط، لأن الأعداد التي انضمت إلى المجتمع فوق طاقة الجهاز الأمني والإداري وكانت عبئاً عليه، واكتشفنا حجم الخلل الذي يتسلل إلى التركيبة السكانية الكويتية، مع تبدلات مفاهيم المواطنة من اسهام إلى استحواذ ومن تعفف إلى تزوير، فنقرأ عن واحد يدخل غرباء في ملف جنسيته ويضمهم كأبناء له، ويتم تسجيلهم كمواطنين، فالمنطق يعلمنا أن غياب جذور الولاء وانعدام الالتحام التاريخي مع الأرض يبرران كل شيء أمام سطوة المال وجاذبية الارتياح على حساب الدولة التي استقبلت ورحبت، ولم تتمكن من كشف الغش والخيانة إلا بالصدفة ومن أخطاء عصبية يخلقها التزوير.
ولم يجد المجتمع الكويتي دعماً من مجلس الأمة في هذا المسار الذي يحدد صلابة أمن الدولة ووحدة مجتمعها، فصارت المطالبات النيابية المزيد من التجنيس الاعتباطي على قاعدة الأقارب والمحاسيب، خالية من المواصفات التي يحتاجها استقرار الدولة وإدامة أمنها، وعندما تتململ القيادة يشهر النواب الاستجواب في وجه سمو رئيس الوزراء، من دون التزام بقواعد الآداب البرلمانية التي يفرضها المقام.


يقوم أمن الدولة على ثلاثة مرتكزات: الوحدة الوطنية المدعومة بالتوافق المجتمعي والانسجام الداخلي، والثاني الاستقرار الإقليمي القائم على اعتدال دبلوماسية الجوار، وأخيراً الاستثنائية الدبلوماسية التي تتجاوب مع القيم العالمية وتتفاعل مع التوجهات المستنيرة في المجتمع العالمي. ولهذه القاعدة الكونية أعين تملكها المؤسسات الدولية ومنظمات حقوق الانسان ترصد الأهلية التي تبرر الفزعة الكونية لحماية الدولة المستنيرة.
ولحسن الحظ أن القيادة الكويتية على علم بما يجب القيام به، وبما يجب أن تقدمه الكويت، وحريصة على التناغم مع مقاييس الاستنارة المتحضرة، ونأمل أن تتبنى ما اقترحته اللجنة التشريعية في مجلس الأمة لإزالة هذه المادة الموحشة من فضاء الكويت، الذي نتشدق في المنتديات العالمية بأنه باسم وجميل، ونحمل الأمل بأن الإرادة التاريخية ستأخذنا إلى حارة المجتمع المزيون.

&