مصطفى حمزة 

بين حين وآخر تنطلق دعوات التصالح مع جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر، فتثير ضجيجاً إعلامياً بين مؤيد ومعارض، بغض النظر عن أسباب التأييد أو المعارضة، ثم سرعان ما تختفي من دون أثر متحقق على أرض الواقع، وكأنها كانت بالون اختبار. ولكن يظل هناك ما ينبغي تأمله في ما يخص دعوات المصالحة تلك حتى نضع النقاط فوق الحروف. الوقفة الأولى أن دعوات المصالحة دائماً تصدر من أشخاص ليسوا طرفاً فيها، فلا هم يمثلون جماعة الإخوان ولا يمثلون الدولة المصرية، بل تصدر إما من أناس يندرجون تحت ما يسمى «تيار الإسلام السياسي»، وإما من أشخاص ليبراليين، ودائماً ما تقابل الجماعة مبادراتهم بالرفض القاطع، بحجة أنه لا تصالح قبل عودة الشرعية ورجوع الرئيس المعزول محمد مرسي إلى الحكم. الوقفة الثانية أن الدعوات كافة تطالب بالتصالح مع جماعة الإخوان فقط، رغم وجود خصومة بين الدولة ونظام الحزب الوطني المنحل.


الوقفة الثالثة هي أن هذه القضية حسمها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال حواره مع قناة «فرانس 24» قبل بضعة أشهر، حينما قال إن أي مصالحة مع الإخوان لا يمكن أن تتم إلا بقرار من الشعب وليس بقرار من الرئيس، ما يعني أن الكرة أصبحت في ملعب الشعب، وهذا ما ينبغي وضعه في الاعتبار قبل أي شيء.

الوقفة الرابعة أنه لا يوجد في السياسة عداوة دائمة أو محبة دائمة، وإنما يوجد مصالح دائمة، فالمصالحة كقضية سياسية سيحسمها الشعب وفق مصالحه، طال الأمد أم قصر. الوقفة الخامسة أن الجماعة لن تتبخر، وأفكارها لن تموت بالحبس والسجن، والمحاكمات لن تقضي عليها. ولكي نضع النقط فوق الحروف لا بد أن نؤكد عدداً من المسلمات: 1 – لا تصالح مع الإرهاب. 2 – لا تصالح في القضايا المنظورة أمام القضاء. 3 – أن يبدأ الطرف الأضعف بتقديم ما يثبت حسن نيته، وطرفا المصالحة الآن هما جماعة الإخوان، والشعب المصري المفوض من قبل الدولة، فما الذي يمكن أن تقدمه هذه الجماعة؟

أولاً: عليها أن تتصالح مع الله بالتوبة عما صدر من قادتها على منصتي اعتصام «رابعة العدوية»، و «النهضة» من ادعاءات أن جبريل عليه السلام كان ينزل الميدان، وأن الاعتكاف في «رابعة» أفضل من الاعتكاف في المسجد النبوي، وأن طوابير الانتخابات أعظم من قيام الليل، وغير ذلك.

ثانياً: أن تتصالح الجماعة مع نفسها بالاعتراف بالخطأ في التقدير السياسي، وأن ترشحهم للرئاسة لم يكن مدروسًا، وأنهم لم يكونوا مهيئين لقيادة الدولة، ما تسبب في فشلهم الذريع.

ثالثاً: أن تتصالح جماعة الإخوان مع الشعب ليكون ظهيراً لها يجبر الدولة على قبول التصالح معها فيما بعد، وذلك بالاعتذار للمصريين عن ما تسببوا فيه من الدماء التي أريقت، بسبب تصوير ما يحدث في اعتصام رابعة على أنه «جهاد».

رابعاً: أن تحل جماعة الإخوان نفسها بنفسها على غرار ما حدث في قطر عام 1999م، لتذوب الجماعة في المجتمع والدولة، إذا كان الإخوان يريدون التصالح مع الشعب المصري، كمواطنين مصريين مسلمين، أم أنهم يريدون التصالح باعتبارهم مواطنين مصريين مسلمين «على رأسهم ريشة»! أي «أعضاء جماعة الإخوان»!

خامساً: أن يخرج أعضاء مكتب الإرشاد من محبسهم متوجهين لقصر الرئاسة لمبايعة الرئيس السيسي رئيساً شرعياً لمصر، ثم يعودوا لمحبسهم مرة أخرى، لتنتهي أوهام «عودة مرسي». سادساً: أن تتوقف الجماعة فوراً عن دعم التنظيم الدولي، وتلتزم بعدم التحريض على دول الخليج، والمنطقة العربية.

أهمية ما سبق تتمثل في القضاء على تنظيم جماعة الإخوان داخل مصر «بلد المنشأ»، وضرب التنظيم الدولي في مقتل، لأن نظام مبارك كان حريصاً على «مصرية» التنظيم، ببقاء مجموعة الثمانية، التي تتكون من 8 أعضاء (مصريين) من إجمالي 13 عضواً في مكتب الإرشاد العالمي، وفق اللائحة الداخلية للجماعة، ليستخدمهم ورقة ضغط سياسية على الدول التي فيها فروع للإخوان، ما يعني أن حل التنظيم في مصر سيكون بمثابة وقف عضلة القلب للتنظيم الدولي للإخوان.

وخطورة التنظيم تكمن في السمع والطاعة والجندية والعسكرة، إذ يوجد مرشد يأمر وجماعة تطيع وتنفذ، وبحل التنظيم ستنتهي ثقافة القطيع، ولن يبقى أمامنا إلا الفكرة الإخوانية، وهذه ستتم مواجهتها باستراتيجية فكرية شاملة ومستدامة.

وبهذه الوقفات والنقاط تكون جماعة الإخوان قد عادت لحضن الوطن الذي كفرت به لسنوات طويلة، ووصفته بأنه «حفنة من تراب عفن»، وقالت عنه «طظ في مصر»، وستكون الكلمة وقتها للشعب.