مصطفى زين

لم يسبق أن تعرّض سياسي بريطاني لحملة ممنهجة كالتي يتعرض لها زعيم حزب العمال جيريمي كوربن منذ وصوله إلى رئاسة الحزب. فكلما تقدم في الاستطلاعات على المحافظين لا تبقى صحيفة، يمينية كانت أو ليبيرالية، إلا وتعود إلى مواقفه المؤيدة للفلسطينيين وتتهمه باللاسامية وبخيانة تاريخ الحزب المعروف بدفاعه عن اليهود وتأييده إسرائيل، مثل كل الأحزاب اليسارية الأوروبية التي كانت ترسل بعض مؤيديها الشباب إلى الكيبوتزات لمزيد من التجربة الاشتراكية.


في إطار هذه الحملة تعرض عدد من أعضاء حزب العمال لتجميد عضويتهم أو للطرد، مثلما حصل لرئيس بلدية لندن السابق كين ليفينغستون الذي لم يتراجع عن تأكيده أن الزعماء الصهاينة تعاونوا مع النازيين لنقل اليهود من ألمانيا إلى فلسطين. لكن إقالته، وغيره من المسؤولين، لم توقف الحملة، بل بدأت المطالبة بتنظيف صفوف الحزب من اللاساميين، بدءاً من القمة.

أحدث ما تفتق عن ذهن منظمي هذه الحملة افتتاحية واحدة نشرتها ثلاث صحف يهودية في وقت واحد تعتبر كوربن «خطراً وجودياً» على الجالية اليهودية، إذا وصل إلى رئاسة الوزراء. وأنه منذ تسلمه زعامة الحزب أظهر تسامحاً مع اللاساميين، ولم يوافق على اعتماد «التعريف الدولي للاسامية جزءاً من مدونة السلوك الحزبية»، وازدادت في عهده الحوادث ضد اليهود ومؤسساتهم و «بدأت قيم حزب العمال تتآكل بسبب مواقف الكوربيين المعادين لليهود وإسرائيل وتمأسست هذه السياسة». وحذرت افتتاحية الصحف الثلاث من أن «وصول كوربن إلى رئاسة الحكومة قد يصبح حقيقة بسب الفوضى والخلافات داخل حكومة المحافظين على بريكزيت».

ولكن ما هو تعريف اللاسامية «الدولي» الذي يرفض كوربن اعتماده؟

الواقع أن زعيم حزب العمال لم يرفض اعتماد مفهوم اللاسامية الجديد كله، بل رفض البند الذي يعتبر المساواة بين إسرائيل وألمانيا النازية وجهاً من أوجه معاداة السامية، كما رفض أن توصف إسرائيل بغير طبيعتها دولة العنصرية، ولم يوافق على أن انتقادها عمل موجه ضد اليهود، وأكد أن القول بولائهم للدولة العبرية أكثر من ولائهم للدول التي يقيمون فيها ليس فيه أي تجن عليهم.

باختصار رفض كوربن قواعد السلوك التي تبتدعها إسرائيل وتفرضها على حلفائها من أحزاب ودول ومنظمات مهددة الجميع بتهمة اللاسامية لتمرير سياساتها العنصرية النازية، من دون أن يجرؤ أحد على انتقادها، وقد استطاعت أن تنجح، إذ من النادر أن نجد دولة أوروبية تقدم على انتقادها، ما يخدم نظرية المؤامرة التي تقول إن اليهود يديرون سياسة كل الدول ويتحكمون بالاقتصاد والإعلام العالميين.

والآن، بعدما كرس الكنيست يهودية الدولة واعتبرها قومية وليست ديناً تؤمن به شعوب كثيرة، مثله مثل المسيحية أو البوذية أو الإسلام، أصبح المطلوب من كوربن، وغيره، الأخذ بهذا التعريف العنصري لإسرائيل والتخلي عن كل القيم الإنسانية وتجاهل كل المفاهيم السياسية والاجتماعية، وعدم النظر إلى معاناة الفلسطينيين وطردهم من أرضهم واعتبارهم «شعباً زائداً»، وإلا اعتبر لاسامياً معادياً لليهود ويشكل «خطراً وجودياً» عليهم.