قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

فارس بن حزام

تقرير لمركز في البنك الدولي حمل خبراً سعيداً لمصر؛ الاقتصاد نما 5.3 في المئة العام الماضي، والبطالة انخفضت من 11.3 في المئة عام 2017 إلى نحو 8 في المئة هذا العام، لتعود إلى أفضل من معدل 2008، عندما كانت 8.7 في المئة. النتائج المبشرة هي من برنامج إصلاحي أطلقته الحكومة قبل ثلاث سنوات، لتجاوز خمس سنوات قاسية منذ الإطاحة بالرئيس حسني مبارك وما تلاها من أحداث درامية، إذ شرعت قوانين استثمار، وأعادت صياغة بعضها، وطمأنت المستثمرين، فعادوا إلى مصر، وخلقت الوظائف، وتحول الاستثمار والتصدير إلى أهم محركين في النمو الاقتصادي.


في آذار (مارس) 2018، التقى ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، بإعلاميين في القاهرة، وتحدث بفخر عن تجاوز مصر لأزمتها الاقتصادية، وألمح إلى أنه كان فاقداً للأمل في عودتها لمجدها، قبل أن يطلع على المشروعات ويدقق في الأرقام. وقتها، صنّف إعلاميون ومراقبون حديثه بالمجاملة للبلاد والرئيس والحضور. بعد أكثر من عام، صدرت الأرقام مؤكدة ما ذهب إليه.

ومصر اليوم على الطريق السليم، وصحيح أن الشعب متذمر ويعاني من الغلاء وانخفاض العملة، لكنهم ليسوا الوحيدين في العالم، والثابت في تاريخ تحولات اقتصاد الدول أن تشعر الشعوب بآلام المخاض، وواجب الحكومة إعانتهم لتجاوز المرحلة الانتقالية القاسية، وأظنها تفعل شيئاً من ذلك عبر برامج إعانة. ولكن رحلة السفر الطويلة هذه إلى الاقتصاد المنتج، والمفيد لتسيير الدولة، لا بد أن تصاحبها خطوة شجاعة لمواجهة أهم معضلة في البلاد؛ هي النمو السكاني المرعب.

مصر هي "صين العرب"، وأي خطوات للإصلاح الاقتصادي لن تؤتي نفعاً، إذا لم تضع حداً لهذه المشكلة الخطرة. في عام 1978 حولت الصين مسارها إلى الرأسمالية المحافظة، وانفتحت اقتصادياً، وحينها كاد أن يلامس عدد سكانها البليون نسمة، وقبلها بعشرين عاما كان 778 مليون نسمة. شعرت الحكومة أن أي خطوات إصلاحية لنمو الاقتصاد ستذهب هباءً منثوراً، وأي أرقام جيدة تحققها ستطير مع عشرات الملايين من السكان الجدد سنوياً. كان قلقاً صريحاً من امتصاص النمو السكاني للنمو الاقتصادي. وقبل أن تبدأ تغيير مسارها الاقتصادي، أصابت الصين بقرار شجاع؛ حددت النسل بطفل لكل أسرة في المدينة وطفلين لأسر الأرياف، وقدمت حوافز مالية للملتزمين بالقرار، وفرضت غرامات على مخالفيه. تطورت البلاد كما نعرفها، عبر عوامل عدة، وعندما استقرت ثانياً بعد الولايات المتحدة عالمياً، فسحت للأسر لتنجب طفلين في المدن. هي اليوم 1.4 بليون نسمة، ولو لم تواجه الانفجار السكاني، لبلغت ثلاثة بلايين نسمة، على أقل تقدير، ولما وجد رئيسها ما يكفي مأكلهم وتعليمهم وطبابتهم، ولتراجعت البلاد إلى أدنى قائمة الدول الفقيرة.

تلك الصين، وهذه مصر ليست في أحسن حال أمام خطر الانفجار السكاني. عام 1978 كانت 42 مليون نسمة، واليوم تجاوزت المئة مليون نسمة. زاد سكان الصين في الفترة نفسها 40 في المئة ، فيما مصر سجلت 150 في المئة. لقد كانت ترى الخطر يتنامى أمامها ولم تواجهه بشجاعة، وحاولت منذ أربعة عقود تنظيم النسل، ولا خلاف بين "تحديد" و"تنظيم" سوى في التسمية، لتجاوز الحرج الديني. فشلت القاهرة لعدم صرامتها، ولصعوبة الموقف مع صعود التيار الديني نهاية السبعينات. أما الظرف الحالي، فيساعدها على المضي قدماً إلى تنظيم النسل بقرار حاسم شبيه بالصيني، خاصة أن الرأي العام يشكو من خطوة النمو السكاني المتزايد. صحيح أن هناك برنامجاً توعوياً مطبقاً اليوم، لكنه لا يختلف عن سابقيه المجربين.