قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

فارس بن حزام

في المحكمة، حافظ الرئيس السوداني السابق عمر البشير على مظهره كما كان في القصر؛ ملابس أنيقة، وابتسامة عريضة، ونظرة واثقة من داخل القفص. إذا كان هذا الظهور استفز خصومه في السودان، فعليهم أن يعودوا إلى تاريخ المحاكمات السياسية في المنطقة، ولا توجد أوقح من محاكمة وقعت في مصر قبل خمسة عقود.


عام 1971، قتل إرهابيون، ينتمون لحركة فتح الفلسطينية، رئيس وزراء الأردن وصفي التل عند باب فندق شيراتون القاهرة. قبض عليهم جميعاً، وبدأت المحاكمة. صورهم في المحكمة: ملابس أنيقة، وربطات عنق بألوان ربيعية زاهية، وسجائر بين أصابعهم. سعداء جداً، ويلوحون بعلامات النصر للحضور وللكاميرات، والمحكمة مكتظة بالمحامين والناشطين من دول عربية عدة. كانت محكمة تحتفي بالقتلة، وتحاكم الأردن على خلافه السياسي مع مصر. انتهت المحاكمة إلى براءة القتلة الأربعة! كانت مهزلة مصورة، والقاعة تضج: يحيا العدل، يحيا العدل.

انزعاج السودانيين من انتشاء رئيسهم السابق أقلقهم من الوقوع في فخ المسرحية، وهم يعيشون مرحلة محدودة الثقة فيما بينهم، وتلك طبيعة الفترات الانتقالية، والتوافق الأولي ليس إلا بداية طريق شاق وطويل، ولا يستعجل في مسيرته قطف الثمار، ويعون ذلك جيداً، لكن مخاتلة البشير في القفص تخيفهم، وهو ليس الأول، ولن يكون الأخير في هذا السياق التاريخي.

على مدى ثمانية أعوام شهدنا بعض المحاكمات الغريبة في دولنا. مشاهد الرئيس مبارك في محاكماته تغني عن الكلام أحياناً، فقد سبقت السياسة القضاء، وأعاقت الدعاوى الصغيرة جداً الملفات الكبرى، وذلك تكتيك سياسي صريح، فتشعب القضايا، وإطالة الجلسات، وتبدل القضاة، كله يخفف من وهجها، ويبرد الدماء الفائرة. في المحكمة المصرية، تكرر كل ما سبق، وأضيفت إليهم الأعذار الصحية والغيابات، فتراجع الاهتمام بالقصاص من الرئيس مبارك كثيراً، وقد دخل قفص المحكمة بعد ستة أشهر من عزله، وبزمن أقل نسبياً رأينا الرئيس البشير في القفص.

ومع ذلك، أرى أن محاكمات الرؤساء لا تعيد بناء الأوطان على أسس سليمة، ولا تنقل دولا استبدلت فيها الأنظمة إلى حال أفضل، ووحدها المصالحة الوطنية والعفو أساس أي محاولة جادة، فالتجارب المديدة توثق انتقائية المحاكمات، بملاحقة أطراف والتغاضي عن آخرين، والبشير رأس نظام دام ثلاثة عقود، وإذا حوكم على مخالفاته، فلا بد أن يقف جميع من نفذها أمام العدالة، والسودانيون يعرفون أن ذلك لن يحدث حالياً، ولذا لا حل إلا بالمصالحة الوطنية، طوق نجاة الدول.