لعله صار ممكناً التفكّر في "خطاب كورونا" لبناني. خطاب السلطة من جهة، ومدبجات الإعلام ومعه مرجعيات طبية واستشفائية من جهة ثانية، والمصدران ينحوان إلى تقاطع مفزع: لَوم المواطنين وتحميلهم جزءاً كبيراً من المسؤولية عما آلت إليه حالة الطوارئ الصحية وبالتالي الاقتصادية في البلاد.

خطاب بسيط في ظاهره، لكن عمقه أشد تعقيداً مما يبدو على السطح، وربما بات من الأكثر مأسوية حول العالم. وذلك ليس فقط بسبب عدّاد الإصابات والوفيات الذي يسجل أرقاماً مخيفة بالمعايير الدولية، أو التقاعس الرسمي الكارثي في ما يتعلق باللقاح (ويقال إن الوزراء والنواب سيكونون أولوية التلقيح بعد حين)، أو حتى "ممانعة" فئة كبيرة من اللبنانيين لإجراءات الإقفال والتباعد ورخاوة الحكومة في فرض قراراتها على بعض المناطق. فالخطاب الكوروني اللبناني الإعلامي والمدني، إذا جاز التعبير، بات فوقيّاً، يهبط بالتوبيخ على الناس بالدرجة ذاتها المستخدمة لإحراج المسؤولين المتخبطين في مسؤولياتهم، وربما بمزيد من الصلافة والظلم وقلّة الأدب. وهذا ليس عادياً. ليس لأنه لا يوجد مستهترون وموغلون في عقلية الإنكار ومقاومة "التهويل"، فهؤلاء موجودون في لبنان فعلاً وتحجيم ممارساتهم اليومية واجب وطني. لكنهم موجودون في كل مكان في العالم. ليسوا اختراعاً لبنانياً صرفاً، ولا مجرمين ولا مخبولين بالجُملة، كي تُوجّه للجميع عبارات من قبيل "بلا مخ" و"مجانين" و"بلا فهم". بيد أن الاختراع اللبناني الفعلي، هو الأزمة الاقتصادية الجمّة، والانسحاق الخيالي لليرة، والتضخم المالي الذي لا تفصلنا عن مركزه الأول عالمياً إلا زمبابوي وفنزويلا.

فسعر الصرف الأشبه بعربة فالتة على سكة أفعوانية في مدينة الملاهي، وإجراءات رفع الدعم عن سلع أساسية ونفادها دورياً من الأسواق، والأسعار المتفلّتة من أي سيطرة رقابية، إضافة إلى انحدار نصف السكان على الأقل إلى ما دون خط الفقر، والفراغ السياسي والمؤسساتي المَرَضيِّ الذي ركب على اعتلال مزمن وقديم في الدولة اللبنانية،... عوامل تجعل اللبنانيين استثناء محزناً، ويفترض أن تكبح وقاحة السلطة والإعلام معاً والتي تُرجمت مؤخراً في خطاب تقريعي للمتسوقين بأعداد غفيرة عشية الإقفال العام، وحتى لتجمعات الاحتفال بأعياد الميلاد ورأس السنة ومُعاندي الحدّ من الاختلاط والمصرّين على عدم ارتداء الكمّامات أو ارتدائها بشكل خاطئ. فمثل هؤلاء موجود في فرنسا مثلاً، حيث أقيمت، ليلة رأس السنة، حفلة موسيقى الكترونية استمرت نحو 36 ساعة، وضمّت أكثر من 2500 شخص رقصاً وشراباً وتدخيناً، معظمهم بلا كمّامات. وذلك رغم فرض حظر التجول ليلاً والذي لم يُرفع ليلة رأس السنة، ودوريات الشرطة التي تشددت في تمشيط الشوارع وتحرير مخالفات باهظة لمنتهكي الحظر القلائل. وبعد تسرب صور وفيديوهات الحفلة المُخالفة، استلزم الأمر ساعات طويلة لإنهائها، وتم توقيف/تغريم عشرات المشاركين. في وسائل النقل العامة، يندر إلا تصادف، كل يوم، شخصاً أو اثنين بلا كمّامة، أو بكمّامة منحدرة إلى الذقن، لكن شبح "الكونترول" لا يغيب. وبالعودة إلى بدايات استفحال أزمة كورونا، ربيع 2020، فُقدت فعلاً من أسواق "العالم الأول"، الكمّامات والمعقّمات والكثير من السلع الاستهلاكية، ليس أقلّها ورق التواليت الذي شاهدت المعمورة فيديوهات تناتشها على خلفية رفوف فارغة. لكن الأمر لم يدم سوى أسابيع قليلة، وسرعان ما عادت الرفوف ملأى وتوافرت الكمّامات والمعقمات بالملايين. هذه سلوكيات بشرية متوقعة، فكيف إن امتلكت جماعة بشرية كاملة ذاكرة حرب أهلية وانقطاع المواد الحيوية وتحكّم المليشيات في توزيعها؟ وما الذي يعيشه لبنان اليوم سوى "الحرب الباردة"، بموتاها وفوضاها؟

هنا لبّ المشكلة وكل الفرق: الدولة، تنظيمها لشروط الإقفال والإجراءات بشكل منطقي وممنهج وحتمي، فاعلية أجهزتها على الأرض، والأهم تمتعها بالحد الأدنى الطبيعي من الثقة، وحتى هذه الأخيرة تبقى، في بلاد الله الطبيعية، رهن أدائها وتقييمه من قبل المواطنين والإعلام و"حكومات الظل". وعلى هذا الأساس تُجلَد الدولة الفرنسية الآن بسبب بطئها البيروقراطي والعملياتي، أولاً في إنجاز لقاح كورونا فرنسي، ثم في منح التراخيص للقاحات الأميركية والألمانية والبريطانية، إضافة إلى خوض خطط التلقيح بخطوات سلحفاتية كرّست تأخرها عن الكثير من جيرانها الأوروبيين، إن لم نقل إسرائيل ودول الخليج.

اللبنانيون الذين تجمعوا للاحتفال بالأعياد، سُمح لهم بذلك، هي "الدولة" اللبنانية التي سمحت لهم بذلك. اللبنانيون الذي يتهافتون على السوبرماركت والأفران لا يعيشون في كنف دولة يثقون في أنها ستؤمن احتياجاتهم. بل أكثر من ذلك، يثقون في أنها، إلى جانب فسادها وتهالكها، مُفلسة أيضاً. اللبنانيون الذين يقاومون الإقفال، فيفتحون محلاتهم أو يذهبون إلى مكاتبهم، لم يلقوا الدعم المالي واللوجستي (الانترنت أساساً!) للتوقف عن العمل أو العمل من بُعد، ولم نتحدث بعد عن التعليم من بُعد!

المستشفيات ممتلئة؟ نعم، لكن ليس كلها. منها من يُدخل المرضى استنسابياً، برفض المسنّين مثلاً! ومنها ما هو غير مجهز للعناية الفائقة أو لكورونا عموماً، ويتهرب من التجهيز. والكل يطالب بمستحقاته من الجهات الضامنة. الدولة تسعى لفرض الجهوزية على المستشفيات الخاصة (70% من مستشفيات لبنان)، لكن الأرجح أن المتبقي من "هيبتها" وأدواتها القانونية لن يكون كافياً لتعميم هذا الفرض كما يجب. وهي -مجدداً- مُفلسة، وكذلك مشبوهة، بدلالة المستشفى الميداني القطري الذي ما زال قِطعاً ملفوفة بالنايلون في المدينة الرياضية.

فالدولة كمُقصِّر أول، المتهاوية في حفرة الفساد التي حفرها قادة الطوائف والأحزاب بالشراكة مع المصارف والمصرف المركزي، لا كلمة لها إلا إذا اختارت القمع، وهي تختاره أحياناً، لكن مع العزّل ممّن لا ظَهر لهم ولا بأس. وحين لا تفعل، يظهر خطاب التقريع والإهانة للبنانيين، يساندها فيه الإعلام الذي أصبح فجأة واعظاً مؤستذاً، في حين أن مراسليه يقتحمون خصوصية مرضى كورونا في المستشفيات، حيث يتجولون في الأروقة، لامسين كل شيء، مُصوِّرين الوجوه والأجساد، مسجلين التأوهات، مُقحِمين الميكروفونات في أفواه الجميع، حتى ذاك المُسنّ الموصول على ماكينة أوكسيجين وبالكاد يشهق النَّفَس. هو إعلام الإثارة والدراما والراتنغ، وهذه المرة، بمفردات المستبد المستنير كمُنتِج لبرامج "تلفزيون الواقع الكوروني"!

خطاب كورونا اللبناني، اليوم، لا يختلف عن توائمه في السياسة والاقتصاد. لا دولة، لا ودائع، لا موارد، لا أمن، لا محاسبة ولا قضاء، لا وظائف، ولا خدمات.. وعلى الناس، المتضررين الأوائل، تحمل "مسؤولياتهم"، أي تحمّل التبعات بانصياع المطيعين الشاطرين وإلا جُعِلوا سبب النهاية الوخيمة.

مواضيع قد تهمك :