قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

- في مرّات قليلة ونادرة، وأمام أعمال فنيّة وأدبيّة معيّنة، أنتهي إلى رأي، حتى أنا، أعجز عن فهمه!. وطبعًا، أكون أكثر عجزًا عن تبريره، وتبيان الدّلائل عليه!. بل يمكنني استحضار مجموعة من الدلائل تناقضه وتنفيه!.
- أتلفّت يمينًا ويسارًا، أنظر فوق وتحت، أطلب مَعونةً، لكنها لا تجيء!. أحاول مُساءلة، بل حتى، خداع عقلي وقلبي، فهمي وإحساسي، وأُغلَب على أمري!. يظل رأيي مكانه لا يريد أن يتزحزح، ولا يريد أن يُفهِمني لماذا هو كذلك!.
- يحزنني أن يكون المثال هو فيلم “الكنز”، لكنه فيلم “الكنز”!.
- الفيلم كتابةً لأحد أكثر كتّاب الدّراما “التلفزيونية” نبوغًا “عبدالرحيم كمال”. الرؤية السينمائية والإخراج لـ”شريف عرفة”، وهو اسم غنيّ عن التعريف، وله أفلام كثيرة هي الأنجح جماهيريًّا، وقليل من الأعمال المهمّة، والرّاقية، فنيًّا!. تقريبًا، آخر فيلم لم ينجح له كان “الدرجة الثالثة” لسعاد حسني وأحمد زكي!.
- فوق هذا: فيلم “الكنز” بجزأيه، ضمّ مجموعة كبيرة، كبيرة بمعنى الكلمة، من النجوم، النجوم بمعنى الكلمة!، لدرجة صعب معها ترتيب الأسماء على “تتر” المقدّمة، وكان الحل الوحيد المقبول تقريبًا هو حشرهم بسرعة، حسب الظهور، في تترات النهاية!.
- تذكرت أمرًا طريفًا، يخصّني: كنتُ في طفولتي، أقول لأخي: هناك ممثّل كبير لكني لا أعرف من هو؟! اعرف اسمه فقط!، اسمه “حسب الظهور”!، في كل مرّة يتواجد فيها، يكون اسمه أوّل اسم!.
- نرجع لفيلم “الكنز” واحسبوا معي عدد النجوم، وسنُضيع العدّ: محمد رمضان، محمد سعد، هند صبري، أحمد رزق، روبي، أمينة خليل، عبدالعزيز مخيون، محيي إسماعيل، عباس أبو الحسن، هاني عادل، أحمد حاتم، وهيثم أحمد زكي!.
- اجمع كل ما سبق: المؤلّف والمخرج والممثلين، وزد عليه: الفكرة رائعة، والقصّة مشغولة بعناية، والتصوير والإخراج وكل شيء آخر، متعوب عليه بسخاء ومصداقيّة!،...
خَلصنا؟! لا!.
- أداء الممثلين رائع، وبالنسبة لمحمد سعد تحديدًا، فإنه قدّم أداءً عبقريًّا، وصل به إلى القمّة، من حيث البساطة المُعقّدة!. لم يقترب منه أحد سوى أمينة خليل!. خلصنا؟! لا!.
- الفيلم مشحون بكل مقوّمات النجاح: حب ومعارك وليل وخيل وتاريخ وجغرافيا وحزن وغناء رخيم، وحوار مسبوك، خلصنا؟! خلصنا!.
- النتيجة: فيلم مُضجِر، ثقيل الظِّلّ، عوضًا عن أن يُصيب بالامتلاء، يُصيب بالتُّخْمَة!.
- حسنًا، لديّ أسباب لهذا الرأي، لكنها أسباب ضعيفة، وتصير أضعف حين تُواجَه بكل ما سبق من وصفات “جاهزة”، ومشغولة بمهارة!.
- أوّل هذه الأسباب: اتكاء الفيلم على هذه الوصفات “الجاهزة”!.
التجهيز في الفن إجهازٌ عليه!.
- السبب الثاني: جمْع نجوم التمثيل هذا، استلزم أدوارًا متساوية تقريبًا، بظهور على الشاشة مُتعادِل!. وكأنّ فكرة قصّة الفيلم سُبِقَتْ بفكرة ضخّ عدد كبير من النّجوم، ولضمان موافقتهم، وُزِّعتْ الأدوار بالتساوي!. الأمر الذي لم يسمح لأي دور بأن يكون مُشبَعًا من حيث المشاعر والأحاسيس!. وحده محمد سعد نجا بنفسه بأعجوبة!. وللأمانة، فإنّ محيي إسماعيل قدّم أداءً مُذهلًا، أثبت فيه خبرات السنين!.
- السبب الثالث: طغيان الكتابة الروائية على الفن السينمائي!. فالعمل مشغول على الورق بشكل يمكن، بسهولة، تخيّل جماليّاته وقوّته كعمل روائي مكتوب!. لدرجة صُعب معها على المخرج، رغم براعته وخبرته وما بذل من جهد، النزول به إلى “التشويق” السينمائي!.
- طغيان الكلمة المكتوبة هذا يستدعي حسرة “ماركيز”: “لا بدّ لكلّ فيلم، قبل أن يصل إلى الشاشة، من المرور في اختبار النار عبر الكلمة المكتوبة، أي أنّ الكُتّاب، وليس المُخرِجين، هم الذين يؤمِّنون القاعدة الأدبيّة التي يستند إليها الفيلم. وهذا للحقيقة ليس بالأمر الحسن، للأدب أو للسينما”!.
- بعد كل هذه الأسباب، تأتي القفلة، في المشهد الأخير، منبريّة، سطحيّة، مدرسيّة كأنها مأخوذة من درس في مقرر تربيّة وطنيّة، وكأنّ المُشَاهِد أقلّ ذكاءً وفطنةً من قدرته على الرصد وكشف القصد، بغير هذه المباشَرَة الفجّة، التي تمرّر رسالة الفيلم على لسان أحد أبطالها، لنعرف أن “الكنز” المقصود هو الوطن!.