تعميماً للفائدة بالقراءة والمناقشة العامة، أعرض في ما يلي رأي الأخ العزيز الدكتور سعد بن طفلة، وزير الإعلام الأسبق، الذي نشره في صحيفة الإندبندنت العربية في لندن مؤخراً حول حركة الإخوان المسلمين والوجه الآخر لها من الحركات الصهيونية الأخرى.
يقول الكاتب: يتضح للمتابع أن حركة الإخوان المسلمين هي الوجه الآخر غير المعلن للحركة الصهيونية بشقَّيها اليهودي والمسيحي، فإذا كانت هناك الصهيونية اليهودية والصهيونية المسيحية، فهناك أيضاً ما يمكن أن يُسمّى بالحركة الصهيونية ــــ الإخوانية، التي يمكن اختصارها بـالصهيوخونجيّة، ويمكن ترجمتها إلى الإنكليزية لتعميمها في أدبيات الصراع العربي ضدها وضد احتلال فلسطين بـZIO-IKHWANIM.
ويتناول د.سعد تأسيس حركة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928 بدعم وتشجيع وتمويل من الاستعمار البريطاني آنذاك، وتزامن تأسيسها مع نشاط الحركات الصهيونية اليهودية التي بدأت شيئاً فشيئاً بإنشاء الكيبوتزات الصهيونية، تمهيداً لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
ويركز الكاتب بعد ذلك على حملات التعبئة، متناولاً خطاب التعبئة الصهيوني على نصوص توراتية وخزعبلات دينية حوّلت فكرة الرب فيها إلى ما يشبه سمساراً عقارياً يعطي اليهود حصراً أرض الميعاد، أي فلسطين، وركزت في تبريرها لاحتلال فلسطين على حقوق دينية وتأويلات وتفاسير توراتية لا يؤمن بها سوى المتدين الصهيوني اليهودي، وفرضت تلك التأويلات بالقوة: طرد الفلسطينيين وإرهابهم وقتلهم ومصادرة أراضيهم وبيوتهم. وبمساعدة من قوى الاستعمار الغربي بشكل رئيس، وللتخلص منهم في العالم الغربي، أقام اليهود دولتهم عام 1948، وهو ما رفضه العرب والفلسطينيون وكل قوى الخير والسلام في العالم، وخاض العرب المنهكون والضعفاء المتخلفون بالحقبة العثمانية التي جثمت على صدروهم قروناً، والمكبلون بالاستعمار الذي حل محلها، خاضوا حروباً كانت الغلبة فيها غالباً لعدوّهم الجديد ــــ إسرائيل.
واستحضر د.سعد نشأة الثورة الفلسطينية بالقول: على أرض الكويت، انطلقت الثورة الفلسطينية في بداية الستينيات برئاسة ياسر عرفات وآخرين، ورفعوا شعار الثورة حتى النصر لتحرير فلسطين ـــ كل فلسطين ـــ والتفّت حولهم قوى السلام والقوى الإنسانية في العالم، ونجحوا في أنسنة قضيتهم وكونيتها لدى كل القوى الثورية والتقدمية في العالم، على اعتبار أن الصهيونية حركة رجعية تتخذ من الدين أطروحةً سياسية تفرضها على الآخرين بالحديد والنار، بينما كانت منظمة التحرير خليطاً من قوى أيديولوجية مختلفة، ويقود ثاني وثالث أكبر فصيلين فيها مسيحيان هما: جورج حبش - الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ونايف حواتمة - الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين.
في نهاية السبعينيات، وبجامعة الكويت، حيث كان النشاط الطلابي الثوري والقومي واليساري هو السائد، سيطر تيار الإخوان المسلمين ولا يزال حتى يومنا هذا على الاتحاد الوطني لطلبة الكويت، ودخل في صدام مع الاتحاد العام لطلبة فلسطين لأن الاتحاد الفلسطيني علماني وفلسطين التي احتلها اليهود بحجج دينية، لا يمكن إلا أن نجابهها بالدين، وهو ما كانت ولا تزال الصهيونية تنشده وتتمناه وتشد عليه.
فمتى ما توهّم العالم بأن الصراع ديني، فسيصطف اليهود الصهاينة والمسيحيون الصهاينة مع إسرائيل ضد الإسلام، وسيقف بقية العالم مع الأقوى أو موقف المتفرج في أحسن الأحوال، وهو ما يؤدي إلى استفراد إسرائيل بالعرب المسلمين وحدهم، بعدما تسهم الصهيوخونجيّة في نزع إنسانية القضية وعولمتها.
يعود د.سعد إلى تبنّي الإخوان المسلمون، رابطة طلبة الأقصى بجامعة الكويت في تلك الفترة بديلاً للاتحاد العام لطلبة فلسطين بقيادة النقابي المفوَّه بسام هلسا ـــ رحمه الله ـــ وذاع صيت قيادات إخوانية فلسطينية جديدة بدعم الاتحاد الوطني لطلبة الكويت وتمويله، وكان على رأسهم السيد خالد مشعل الذي أصبح زعيماً لحركة حماس لاحقاً.
ومنذ ذلك الوقت، والواحد يشهد شقاقاً جديداً على الساحة الفلسطينية، بين منظمة التحرير الفلسطينية والإخوان المسلمين - الصهيوخونجية. ومن هنا بدأ ذهاب ريح الموقف الفلسطيني الموحّد، وبدأ العالم ينظر إلى المطالب الفلسطينية على أنها مطالب دينية لا تختلف كثيراً بخزعبلاتها عن خزعبلات الصهيونية ـــ اليهودية، أو خزعبلات المسيحية ـــ الصهيونية التي تنشد الوقوف مع اليهود وحشرهم جميعاً في إسرائيل لتجتمع عليهم الأمم ويقتلونهم جميعاً في معركة أرماغيدون (هرم المجد)، ولا ينجو من اليهود سوى 160 ألفاً يعتنقون المسيحية الحقّة، فيظهر المسيح تمهيداً لقيام يوم الساعة!.
منذ أن ظهرت الصهيوخونجيّة، انحرف النضال الفلسطيني ودخل في متاهة فكرية، وعاشت الساحة الفلسطينية انشقاقاً دامياً أحياناً، ما زال أحد أسباب ضعف القضية الفلسطينية. فبعد أن كانت قضية كل الأحرار في العالم، حاول الصهيوخونجيّة أسلمة القضية، وهو الحلم الصهيوني، متناسين المسيحيين الفلسطينيين، ومتجاهلين اليهود الرافضين للصهيونية، وقوى المساندة الدولية التي تدعم حق الشعب الفلسطيني المظلوم كبشر مثل سائر البشر.
تمارس حركة الصهيوخونجيّة كل أنواع التضليل والكذب والمتاجرة والسمسرة، ولا تتورّع عن الوقوف مع الطغاة من أجل شعار القضية، فوقفوا مع صدام حسين في غزوه للكويت، ولم يعتذروا حتى الساعة، وصفقوا له حين قصف الرياض والدمام، وهتفوا: بالكيماوي يا صدام، من الخفجي للدمام!.
ويناقش د. سعد: قد يقول قائل: دَع الماضي، وانسَ ما جرى للكويت، فإلى متى وأنتم تجترّون أخطاء الماضي، اللي فات مات! وماذا عن تخليد صدام حسين حديثاً بتمثال في الضفة وشارع كبير باسمه، وهو الذي دمّر العراق وشعبه وجيرانه والأمة العربية كلها؟
ويجاوب الكاتب: لا بأس، فلننسَ ذلك كله، لكن المملكة العربية السعودية تتعرّض اليوم وكل يوم لعدوان من قبل إيران على أيدي الحوثيين، وقادة الصهيوخونجيّة في صنعاء يسلمون دروع النصر ويشيدون باعتداءاتهم، بدلاً من إدانة العدوان على أول وثاني الحرمين الشريفين ـــ أي مكة والمدينة!
وتلهج ألسنة قادة الصهيوخونجيّة بالشكر والعرفان لإيران لدعمها حماس والجهاد لتحرير القدس ـــ لاحظ أن إيران لا تأتي على ذكر المسجد الأقصى لأن بني أميّة هم مَن شيّدوه! وقد وضع قادة الصهيوخونجيّة في غزة تمثالاً لمن أسموه شهيد القدس- قاسم سليماني- الذي أوغل في دماء العراقيين والسوريين، وهو الذي لم يطلق رصاصة واحدة تجاه إسرائيل!
يأتي العرفان والمديح لإيران على الرغم من أن الدول العربية الخليجية ومصر هي الداعم الحقيقي للحق الفلسطيني، وهي تقدّم الغالي والنفيس لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه المشروعة، وهي التي تستضيف اللقاءات تلو اللقاءات لتوحيد الصف الفلسطيني مرة بمكة المكرمة، ومرات كثيرة ما زالت مستمرة في القاهرة.
وختم د.سعد بن طفلة: الصهيوخونجيّة وافقت على اتفاق أوسلو، ووافقت على حل الدولتين، ووافقت على الدخول في الانتخابات للسلطة الفلسطينية التي أُقرّت بموجب اتفاق أوسلو، لكنها قلبت للسلطة الفلسطينية ظهر المجن بعد فوزها بانتخابات غزة عام 2007، وألقت بمناوئيها من أعالي المباني، وفرضت نظاماً قمعياً وبطشاً وقتلاً لمَن ترغب بقتله بحجة العمالة والجاسوسية لإسرائيل، وصار جلّ هم الإنسان الغزاوي المحاصر المنكوب هو الحد الأدنى من العيش بكرامة، فخرجت تظاهرات غزة العام الماضي، هاتفةً: بدنا نعيش، وبدنا نعيش!. وكلنا نعرف ما جرى للمتظاهرين في تلك التظاهرة من قمع وبطش وحشي، يخجل منه جندي الاحتلال نفسه.
سخّر الأخ العزيز د.سعد بن طفلة قلمه بجدارة لغوية وسياسية وتاريخية مهمة للغاية، ينفر منها كثيرون، سواء من أصحاب الشأن الفلسطيني والعربي المتحجر وحركة الإخوان العالمية وحركات الإسلام السياسي الفلسطيني منها والكويتي.
ولا بأس من تناول المهتمين الرأي بحركة الإخوان المسلمين بشكل رصين ومناقشته واقعياً وسياسياً، فنحن في الكويت والمحيط العربي والخليجي بحاجة إلى معالجة علمية وبراغماتية لما نشهد من صراع فكري وسياسي ونكران سرمدي لهذا الواقع والتحديات والتهديدات الحالية والمستقبلية.















التعليقات