قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في بدايات الألفية بدأت المنظمات الأممية تتحدث عن «انتفاخة شبابية». بصراحة شديدة، ورغم فجاجة التوصيف، أعجبني. فشوارع القاهرة والرباط وعمان وبيروت وغيرها كانت تنضح بالتعبير. مجموعات لا حصر لها من الشباب في كل مكان في الكثير من العواصم العربية، وأضعافهم في المدن والقرى. وبعيداً عن نسب البطالة الرسمية التي كان يتم إعلانها وما تشي به رؤى العين وما بينهما من فجوة، فإن كلمة «الانتفاخة» رغم قسوتها بدت واقعية.

ورغم أن المنظمات الأممية التي استخدمت التوصيف بكثرة لم تختص بها العالم العربي، إلا أن كل مقوماته كانت تشير إلى شباب العالم العربي، لا سيما الدول منخفضة الدخل ومرتفعة التعداد ومتسارعة الإنجاب.

اليوم وبعد سنوات من شيوع تعبير الانتفاخة، وبعد ما يزيد على عقد من أحداث ما يسمى بـ«الربيع العربي» التي اتخذت من الشباب وسيلة، وفي أقوال أخرى غاية لها، وبعيداً عما جرى وما آلت إليه الأوضاع وما أدت إليه الأحداث من انكشافات، تشهد دول عربية عدة تغيرات كبرى في تعاملاتها مع «الانتفاخة».

صندوق الأمم المتحدة للسكان يشير إلى أن تعداد العرب 377 مليون نسمة، ونسبة الشباب المتراوحة أعمارهم بين عشرة و24 عاماً تبلغ 28 في المئة. وتشير نسبة أخرى إلى أن نسبة الشباب العرب المتراوحة أعمارهم بين 15 و34 عاماً تبلغ 34 في المئة. العالم العربي إذن عالم شاب.

هذا العالم الشاب، بكتلته أو بانتفاخته، الشبابية مرشح لسيناريوهات عدة. فالشباب فئة عمرية لا سمات. هي فئة طموحة بالفطرة متطلعة إلى الجديد والمتغير بطبيعتها أحلامها تحدها السماء، لكن إحباطاتها حين ترتطم بالأرض تهد المعبد على رؤوس الجميع.

السنوات القليلة الماضية شهدت صحوة في بعض الدول العربية فيما يتعلق بالشباب. هذه الصحوة هي خليط سياسي اقتصادي ثقافي أمني، لكنها تختلف من دولة لأخرى حسب الإمكانات والرؤى. الجميع أيقن أن هذه الكتلة يمكنها أن تكون قنبلة موقوتة، وهي القنبلة التي انفجرت في بعض الدول. ويمكنها كذلك أن تكون طاقة بناء ومنبع خير للجميع.

وعلى سيرة البناء والخير، فإن عدداً من الأحداث المهمة تزامنت في الأيام القليلة الماضية جميعها يؤكد ذلك. في مخيمات في شمال شرق سوريا، مئات من أطفال ومراهقي «داعش» ممن ينتمي ذووهم لدول عدة يجدون أنفسهم في مهب الريح. فحكومات دول الأهل تخلت عنهم، وبالطبع لا تحمل سوريا، أو الدول التي افتئتت على خرابها، مستقبلاً لهم. وسوريا نفسها وشبابها ممن نزحوا خارجها ومن بقوا في داخلها في موقف بالغ الصعوبة. فأي مستقبل ينتظرهم؟

سؤال مشابه تطرحه أوضاع الشباب في اليمن. كلمات سفير الشباب اليمني في المجلس العربي الإفريقي للتكامل والتنمية طارق النعماني أمام «منتدى شباب العالم» في شرم الشيخ تلخص الوضع. «الشباب تشتت طموحاته، والجامعات والمدارس أُغلِقت، والأطفال يعانون من نقص الأغذية، وأكثر من مئة ألف طفل ماتوا بسبب الجوع».

وفي المقابل، فإن «منتدى شباب العالم» في مصر يعد علامة فارقة بين ما كانت عليه مصر وما أصبحت في خلال السنوات السبع الماضية. عقود طويلة من التأكيد اللفظي على محورية دور الشباب نجم عنها حالة عامة من الإحباط أفضت إلى غضب شبابي عارم. لذلك، وضعت مصر كتلتها الشبابية في القلب من مخططها لإعادة بناء الإنسان المصري. فمن «البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة» إلى البدء الفعلي في إصلاح منظومة التعليم وزيادة مشاركة الشباب في الأجهزة التنفيذية والتشريعية للدولة إلى خفض سن الترشح للانتخابات المحلية إلى 21 عاماً ودعم المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر وإطلاق مبادرات ريادة الأعمال ومنتدى شباب العالم الذي يعد حلقة وصل بين شباب العالم وكبار صانعي القرار فيه خرجت مصر من عقود الاهتمام اللفظي إلى الاستثمار الفعلي من أجل الشباب وبهم.

والحقيقة أن دبي تظل رائدة عربياً في مجال الانتباه المبكر للقوة الكامنة في هذه المرحلة العمرية. دبي لم تنجح فقط في ترجمة هذا الإدراك إلى عمل وإتاحة فرص وتمكين وتوفير موارد وتنمية مهارات وصقل إمكانات ودعم ابتكارات لشباب الإمارات، بل أصبحت نموذجاً يحتذى في التعامل مع «الانتفاخة الشبابية» سابقاً «الثروة الشبابية» دائماً.

الأمر لا يتوقف عند حدود وعي استشرافي بأهمية الابتكار الذي هو سمة شبابية وإيمان بالأحلام التي هي صفة هذه الفئة العمرية، أو تنصيب شباب وشابات واعين وقادرين في مناصب وزارية ورفيعة المستوى. أصبح تمكين الشباب جزءاً لا يتجزأ من أسلوب الحياة والمنهج المتبع. وبقدر ما أسعدني خبر إطلاق أول مجلس للشباب في مؤسسة صحفية عربية في صحيفتي «البيان»، إلا أنه لم يدهشني. فهذه هي دبي، وهذه هي «البيان» وهذه هي الانتفاخة الشبابية كما ينبغي أن تكون. إنها ثروة العرب ومستقبلهم.

*كاتبة صحافية مصرية