قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

من يتابع حركة الإنتاج الثقافي والفكري وتياراتها في الوطن العربي - منذ ربع قرن - يَلحظ المقدار الهائل من التردي الذي دخلت فيه، والذي يبدو وكأنه غير مسبوقٍ في فداحته منذ انتهضت ثقافتنا في نهايات النصف الأول من القرن التاسع عشر. اختفت - أو كادت - النصوص الكبرى التي كان صدورها يطلق موجات من التأليف تدور على براديغمات جديدة أكثر قدرة تفسيرية من سابقاتها، فبات المألوف هو التكرار والنزول من معدل النص إلى مرتبة الشروح والمختصرات! وتوقفت اندفاعة الإبداع الأدبي والفني، تقريباً، ما خلاَ ما استمر منها في بيئة المخضرمين ممن كانوا، قبل خمسين عاماً، من صانعيها فيما هبط معدل التعبير كثيراً فأُسدِل عليه ستار الستر بدعوى التجريب والبحث عن لغةِ تعبير وذائقة جمالية جديدتين أو، أحياناً، كسر القوالب القديمة...إلخ!

ولولا واحاتٍ هنا وهناك: في الفكر، والعلوم الاجتماعية والإنسانية، والأدب والفن، بقيت تحفظ القليلَ من الخصب والحياة وسط هذه البيداء الثقافية الموحِشة، لجاز أن يقال إن الثقافة العربية دخلت في موت سريري مديد وإن ما يصدر منها من كلامٍ إنما هو إلى حشرجة النزع الأخير أقرب! وما أغنانا عن القول إن مجتمعاً أو أمةً من غير ثقافة حية وثابة جسدٌ من غيرِ روح، وإن ركوداً يسكن الثقافةَ فيحكم عليها بالاجترار والتّكرار، لَهو رِبقٌ من أشد الأرباق المضروبة على إرادة تلك الأمة تقييداً لتطلُّعاتها إلى غد أفضل.

الأَدعى إلى الغرابة أنّ هذه الثقافة التي نكَبت عن الإبداع وانتَكبت هي تلك التي يقف على أمرها جيش عرمرم من الكتاب تلقى تكوينه في أرقى الجامعات؛ هنا في البلاد العربية وفي غيرها من بلدان العالم الخارجي، من غير أن يترك ذلك التّأهيل العالي أثراً في المنتوج يدل على رِفعة قدره، أو على قابليتِه لأن يُرفِد ملَكات حَمَلته أو يُهيئهم لأن يرتفدوا منه! ولم تكن تلك حال ثقافتنا قبل عقود؛ حين كانتِ العِصامية والفضول المعرفي رأسمالاً، وكان المتخرجون في الجامعات قُلاًّ؛ فكان يكفي هذا القليل من ثمرات التأهيل العلمي مع ذاك الكثير من العصامية المتشوفة والعاليةِ كَعْباً لكي يُشيِّد ثقافة اجترحت لها مكاناً محترماً في رحاب ثقافات العالم.

ما الذي حصل حتى توهدت الثقافة العربية إلى هذا الحد بعد أن سمقت سموقاً في ما مضى؛ ومَن أَوصلها إلى هذا الدرك الأسفل؟

الجوابُ الأَسهل أن يُقال إنها السلطة/ السلطات التي أخذت، بسياسات القمع والتضييق على الرأي وحرية التعبير، ثقافتنا إلى هذا المصير البائس. وقد يكون شيءٌ من ذلك صحيحاً لا أجْحَدُه أو أُماري فيه - لما بين منطقيْ السلطة والثقافة من تَجافٍ ونَبْوةٍ يُباعِدان الشقة بينهما على الأغلب - وقد لا يكون صحيحاً؛ أن أوضاع السلطة، في بلادنا العربية، ما كانت أفضلَ حالاً، ولا سيرتُها مع الثقافة والمثقفين أقوم، قبل نصف قرن أو أكثر حين أيْنعت شجرات المعارف والآداب والفنون في ديارنا، بل لعل غِلْظة تلك السلطة وبَطشها أخف، اليوم، مما كاناهُ قبلاً: أعني في زمنٍ لم تكن فيه جمرة فكرة حقوق الإنسان قد زندت بعد، ولا كانت قواها قد توالدت وتكثّرت في العالم وانتشرت في طوله وعرضه تراقِب وتفضح. ثم هل منع وجود سلطة عسكرية فاشية، في أمريكا اللاتينية قبل عقود مثلاً، من نهضة الفكر والأدب في تلك الديار؟ ليستِ السلطة، إذن، مفتاحاً لفك لغز هذه النازلة، أو قُل ليست وحدها، على الأقل، ما يظهِرنا على الأسباب التي تَكمَن خلف ما أصاب عمران الثقافة العربية من خراب.

المدارس؟ الجامعات؟ لا مشاحّة في أنّ لها ضلعاً في الشح والضَّنِّ بالموارد على الثقافة. ولكن الموارد التي منها ترِد الحياة الثقافية وتغتذي ليست، دائماً، مؤسسية أو إن فائدة هذه تعظم عِظماً، فقط، حين تتهيأ الموارِد.

علينا، هنا، أن نعترف بمسؤولية أهل الثقافة عما أصاب الثقافة من ارتكاس وانكماش وانكفاء بنوع منتوجهم الذي يقدمونه؛ وعلى أهل الثقافة أن لا يُخْفوا تلك المسؤولية بزعم ضِيق الهوامش المتاحة أمام الفكر والإبداع فيعلقوها على شماعة السلطة، متحلّلين من موجبات النقد الذاتي ومحاسبة النفس على التقصير. علينا أن نعترف، استطراداً، أن مَن يركَب السهل في الكتابة، اليوم، ليس من أيلولةٍ للثقافة في عهده إلاّ إلى الركود والانحطاط على مثال ما هي عليهما اليوم. عَهْدُنا بالمفكرين والأدباء والفنانين الدّأْب على التحصيل والقراءة ومكابدة الدرس والصلة بأمهات النصوص شرقاً وغرباً، قديماً وحديثاً، والتحلي بالمسؤولية الصارمة عند الكتابة والتحبير؛ فليست الكتابة الكلامَ ولا هي كالكلام يُلْقى على قارعة الطريق، بل طقسٌ يشبه التعبُّد ويَجِلّ عن الابتداه والاستسهال.

ما من ثقافةٍ تَنهض إن لم يقع إعادةُ إعمارها بالقيم الدافعة؛ وثقافتنا العربية تعتاز، اليوم، الكثير من هذه القيم وأولُها: أخلاق المعرفة وأخلاق الكتابة.