قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

في كل نظام أو حقل إعلامي توجد أولويات أو جوانب مفصلية توعوية وتثقيفية عند تعاملها مع أحداث أو مشاكل مجتمعاتها، فهل تنطبق هذه البديهية على تعامل الإعلام العربي مع ما يجري في مجتمعاته العربية؟

هذا سؤال بالغ الأهمية ويحتاج مجلس وزراء الإعلام العرب أن يناقشه، وأن يتخذ قرارات عملية لتصحيح أي خلل في التعامل معه من قبل وسائل الإعلام العربية. كما تحتاج أن تناقشه المؤسسات الإعلامية المشتركة العربية لإجراء إصلاحات ذاتية حيثما يوجد خلل.

دعنا نشاهد، أو نقرأ، أو نستمعن إلى الكثير من وسائل الإعلام العربية الرسمية، أو الخاصة، فسنجد فرقاً هائلاً بين ما يُعطى من تغطية، أو تفصيل، أو وقت، أو تحليل، ما يجري في أوكرانيا، أو ما يحدث من مناكفات ومناقشات فيما بين أمريكا والصين، أو حتى ما يحدث من مناسبات محلية بحتة، مثل دفن ملكة بريطانيا المتوفاة، أو تسابق قادة حزب المحافظين البريطاني على استلام قيادته، أو التلاسنات فيما بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري الأمريكيين.. بين أحداث خارجية مثل تلك وبين ما يعطى من وقت وتغطية وتحليل لما يجري على سبيل المثال في فلسطين المحتلة، أو سوريا، أو العراق، أو تونس، أو لبنان، أو اليمن، أو السودان، أو المغرب، بل أي قطر عربي.

لنطرح الأسئلة التالية: هل ما يحدث في أوكرانيا، أو ما بين أمريكا والصين، أو ما يحدث في انجلترا أهم مما يحدث في الوطن العربي، وأن تأثيرات مشاكل الآخرين في مستقبل هذا الوطن العربي أكبر وأكثر خطراً من تأثيرات مشاكل الوطن العربي، المحلية والإقليمية والقومية؟ وهل المطلوب هو أن يكون وعي المواطن العربي لمشاكل العالم أعمق وأقوى من وعيه لمشاكل وطنه؟ وهل إن مسؤوليات الإعلام العربي هي نقل المعلومات وتحليلها فقط؟ أم أن لديه مسؤوليات قيمية وأخلاقية ووطنية وقومية، خصوصاً بشأن بلاد العرب المنكوبة المبتلاة حالياً بأعداء الخارج والداخل؟ وهل قرر المسؤولون عن الإعلام العربي أن لا مكان فيه للداعية، أو المثقف العضوي الملتزم بقضايا أمته والمناضل من أجل التغيير والإصلاح؟

بل دعنا نطرح السؤال الإنساني الذي طرحه الشاعر الأمريكي ت.س. إليوت: أين الحكمة التي أضعناها في المعرفة، وأين المعرفة التي أضعناها في المعلومات؟
ثم إننا الآن أمام إشكالية إعلامية عربية وعولمية كبرى تتمثل في الإعلام الجماهيري التواصلي عن طريق الوسائل الإلكترونية الذي «يخيط ويبيط»، ويؤجج كل مشاعر اليأس والبؤس القيمي، ويحتاج إلى أن يواجه بإعلام موضوعي متوازن يحارب نواقصه وشطحاته، فمن سيقوم بذلك؟ أليست هذه مهمة جديدة وضرورية من مهمات الإعلام الكلاسيكي؟

فإذا كان هذا الإعلام السائد يفضل الدروب السهلة والمواقف المريحة التي لا تغضب ولا تختلف مع أحد فمن سيوقف السيل العرم من الأكاذيب والتجاذبات والمشاحنات التي تملأ وسائل التواصل الاجتماعي العربي؟ ذلك أن المؤسسة الرسمية، السياسية والمدرسية والجامعية والدينية، قد تخلت عن كل تلك المهمات الإعلامية التصحيحية، وتبنت شعارات الثقافة العولمية المتخلية عن الالتزامات المجتمعية والتضامن الإنساني المجتمعي، الثقافة المفتونة بالحرية المطلقة الفردية، طالما أنها لا تزعج أقليات الحكم، وأقليات المنافع المالية. فإذا أضيف إلى كل ذلك تخلي المؤسسة الإعلامية، الرسمية والخاصة، عن مهماتها التوعوية ومسؤولياتها الوطنية والقومية، فما مصير السلم الأهلي العربي وتماسك الهوية العربية الجامعة والوقوف في وجه الاستعمار المتخفي وراء ألف حجاب؟

موضوع الإعلام العربي أصبح موضوعاً ثقافياً محورياً في الحياة العربية، بحيث إن أي علل فيه ستنعكس سلباً على الأمة وتنقلب إلى فواجع كبيرة تعيق النهوض العربي والخروج من حالة الضياع الفكري والنفسي الذي تعيشه مجتمعات الوطن العربي حالياً، وتعيشه على الأخص ملايين الشابات والشباب العرب.