ثمة أوراق تساقطت وأنا أحاول العثور على يقين يقودني من الماضي الأول إلى المستقبل السعيد، من أول استحقاق انتخابي بعد المشروع الإصلاحي الكبير لحضرة صاحب الجلالة الملك حفظه الله، حتى اللحظة، من أول ما كان الدرب مليئًا بالآمال والحشود، حتى أصبحت الأزقة مكتظة بالمريدين والمتشدقين والصناديد.

كنا -وليس هذا سرًا- نقتفي آثار القوى السياسية الطالعة، لها ما لها وعليها ما عليها، وكنا نتعامل مع الجميع من منطلق الروح الفياضة التي بثها الملك المعظم في صفوف الجماهير، وكانت القوى السياسية على اختلافاتها مع الهدف الأسمى للانتخابات تحاول أن تشارك في رسم مسار تحدده هويتها، وتقودها قناعاتها، وكنا على الهامش من الحدث العظيم نتابع كصحفيين كل شيء بحياد تام، وبرؤية شبه شاملة لواقع بدا أمامنا أنه «جميلاً لكنه لا يحب الجمال»، وأنه أصيلاً لكنه لا ينتمي بالضرورة لـ«الأصالة»، وأنه معاصرًا لكن ذلك لا يجب أن يكون متجردًا من ثوابتنا الوطنية وجذورنا المرعية، وانعكاساتها على حياتنا اليومية، كنا ومازلنا ننشد الاستحقاق الانتخابي على طريقة «من جد وجد»، وعلى قاعدة «من لا يدرك كله لا يترك كله».

وأصبحنا بعد مرور 21 سنة على ضربة البداية ننشد الأكثر، ونأمل في المزيد، صحيح أن بعض القوى السياسية المنسحبة من المشهد الوطني المثير لن تجد من يسمعها أو يتبعها أو يخطب ودها لأن الدنيا تغيرت، والأولويات تبدلت، لكن الصحيح أيضًا أن القوى الشبابية الصاعدة مازالت تأمل في ربع فرصة، في ثقب إبرة، في شعرة ينسل عودها من العجين، أو في أمل مازال محفوفًا بالمغامرة أكثر من كونه مرصودًا بالأعين المجردة.

العشرات ممن أعلنوها صراحة: نحن ذاهبون إلى الاستحقاق كمترشحين أشاوس، يرغبون في المقعد من أجل التجربة وليس بهدف التجريب، من أجل الوجاهة وليس من منطلق الإيمان بالحالة الوطنية الساحرة، لأخذ كل شيء وليس لتقديم أي شيء.

هذه هي المعادلة الصعبة ونحن نتحدث عن اليوم بلغة الأمس، حيث لا لغة تجمعنا سوى ما تربينا عليه، ولا لهجة تهم بنا إلا تلك التي تعلمناها في أول الزمان، «من شب على شيء شاب عليه».

هذه هي فلسفة المشروع الإصلاحي الوجودية التي تنهل من الأصول والثوابت لترسم خطى المستقبل الواضح المهيمن، وتلك هي ملامح اللحظة الوطنية لتنفيذ ما اجتمع المواطنون عليه، وتجمعت القوى السياسية حوله، وهو صورة طبق الأصل من مشاهد متحركة على خشبة مسرح الأحداث لتسعى لكنها لا تدرك النجاح، وتحاول حيث في السعي «عُشر حسنة من عشرة أمثال».

هكذا تبدو الساحة الوطنية والصحف اليومية والمجالس النوعية ودواوين الحكومة المتابعة، هكذا يظهر على الحدث المتكرر أبطالاً يشقون مظاهر المشهد المثير بدعايات انتخابية لم يسبق لها مثيل، بأساليب جديدة لم يشهدها الاستحقاق الأول، وهكذا يخرج الأبطال مصطفون على جانبي الطريق رافضين أن يمشوا أمام الناس بل بينهم، وهم يتحدثون نفس اللغة تاركين الشارع خاليًا من سيارات فارهة مكشوفة، والمنصات من متحدثين في غاية اللباقة والجاذبية والاحتراف، حيث ما كنا نشاهده في الماضي قد لا تتكرر مشاهده في الواقع المهيب، وما كنا نتعامل به في صحافتنا اليومية من رصد لغرائب الطبائع والمخلوقات أصبحنا نتابعه عن طريق «السوشيال ميديا» والتخفي خلف أسماء مستعارة ليست بالضرورة هي التي ستخوض النزال القادم من أجل عيون البرلمان؟

لا اليوم مثل الأمس، ولا الأمس مثل اليوم، لا الوجوه القديمة يمكنها أن تعود، ولا الوجوه الجديدة مؤمنة بالبناء على ما فات.

الخوف كل الخوف أن تنفصل الحلقات، أن ينعدم التواصل بين ما مضى وما هو آت، الخوف كل الخوف أن نبدأ من المربع الأول، وأن نحاول إعادة اختراع العجلة من جديد، والخوف كل الخوف ألا يستوعب كل منا الآخر، وألا يؤمن أي منا بالمختلف المتسامح، والخوف كل الخوف أن ينفصل المشهد عن هوية المملكة وهي تمضي في طريق التعايش والتسامح متسلحة بإيمان اللحظة وخطى القائد، وحلاوة التفاهم مع التنوع الأثيري الجميل.