«أفول الغرب» هو في الأساس واحدة من السرديات الغربية. أما المسارعة إليها عند كل عتبة ومنعطف فهو «عارض شرقيّ».

في نهايات القرن التاسع عشر، ومن ضمن وجوه «لوعة نهاية القرن» انتشرت على امتداد أوروبا، بما في ذلك روسيا، وكذلك في أمريكا، مناخات الرهاب من أن يتهاوى عصر التفوق الهيمني الاستعماري للجنس الأبيض، وأن يُكتَب الصعود الحاسم للجنس الأصفر، في المقبل من أعوام.
كانت نظرية الأعراق البيولوجية تعيش عصرها الذهبي في الشمال العالمي المهيمن، وتصيب النخب «المتفرنجة» من أبناء المستعمرات بإهتزاز ثقة، بما في مستطاع أجسادهم قبل أي شيء آخر، مع أن الكلمة في الحروب لم تكن للأيدي والسيوف في ذلك الوقت، بقدر ما غدت فيه للديناميت والمدفع الرشاش الخفيف.

في سيرته الذاتية يذكر المهاتما غاندي مثلاً أنه كان في يفاعته يربط سهولة سيطرة الإنكليز على شبه القارة الهندية بإعمارهم البنيان بالإكثار من أكل اللحوم، وأنه طرح على نفسه حينها السؤال عن توجب الإقلاع عن النباتية إذا ما أريد العمل على تحرير البلاد. والواقع أن النباتية تنامت مع الإحيائية الهندوسية نهاية القرن التاسع عشر، ولم يتعد وجوبها طبقة البراهمة الكهنوتية قبل ذلك. السؤال عن الجسد وما إذا كان بمقدوره مقارعة الرجل الأبيض بيولوجياً طرق باب أذهان عديدة من أبناء الشعوب المستعمرة في تلك الحقبة. قد يبدو الأمر غرائبياً لنا اليوم. كما لو أن المواجهة مع الاستعمار هي في سرّها نزال بين جسدين عاريين، أبيض و«ملوّن»، يتناهشان باللحم الحي.

مع ذلك، سرت القشعريرة سريعاً بين البيض أنفسهم من انقلاب مسار اللعبة الأيديولوجية – البيولوجية التي افتتحها رواد «الداروينية الاجتماعية» بدءاً من كتابات هربرت سبنسر. حيث جرى تصور مملكة الحيوان كصراع مرير من أجل البقاء، لا رحمة فيه للمتردد والأضعف، ثم أسقط منطق الإصطفاء الطبيعي للأصلح على الإنسان نفسه، على العلاقات بين الأفراد في مجتمع ما، وعلى العلاقات بين الأقوام المختلفة. فلم تعد المفاصلة قائمة بين راع وراعية، ولا حتى بين غالب ومغلوب، بل أمست بين من ينتزع حظه أي حقه بالبقاء، وبين من تستأصل جذوته ويفنى أو يُذاب كي يبقى سواه ويتجدّد. أن تستأسد وتزاحم وتعتدي يعني أن ترحم نفسك ونسلك وتقبيهما. إن تحجم عن ذلك غيرك لن يجاريك.

هذه النزعة الداروينية الاجتماعية المبثوثة زرعت في الوقت نفسه عناصر التوجس والقلق من أن تكون حضارة النوع الأبيض التي تتصدرها البلدان الغربية أوهن وأكثر تفسخاً وإرهاقاً مما قد يخفيها عنها الزهو بالسيطرة العالمية، وأن تأتي الهجمة من اجتماع الشعوب «الصفراء» عليها. الملفت أن هذا الرهاب بلغ أوجه عندما دخلت اليابان في حرب ضد الإمبراطورية الصينية انتهت بهزيمة مذلّة للأخيرة 1895، أي عندما تطاحن بهذا المعنى الصفر مع بعضهم البعض. بدلاً من رؤية هذا التناحر، وكيف أخذت اليابان ترى نفسها «رجلاً أبيض» على مستوى آسيا، انتشر الفزع من أن تؤدي هذه الحرب الى نشأة إمبراطورية صينو – يابانية قادرة على تحطيم الأغلال الاستعمارية تباعاً في أنحاء آسيا المختلفة. في الوقت نفسه، اتخذ «الرهاب من الصفر» في ذلك الوقت لبوس الديموغرافيا.

الآسيويون أكثرية سكان العالم، ولو تخيلنا العالم بلداً واحداً لفرضوا أنفسهم فيه كغالبية، فيما عملية توحيد العالم بالتوسعين الكولونيالي والرأسمالي هو ما تنجزه حضارة الرجل الأبيض، شمال العالم المنزاح غرباً، فهل تكون هيمنة هذه الحضارة على العالم وفتحه على بعضه البعض مصيدة للأوروبيين تستفيد منها «مستعمرة النمل الآسيوية الكبيرة»؟ هذا بعض مما انتاب أواخر القرن التاسع عشر من كوابيس. الخوف أن لا يكون لمطلقي اللعبة الداروينية الاجتماعية الكفاءة في الفوز باللعبة. زادوا على هذا أن مستعمرة النمل الآسيوية تشن هجوماً ديموغرافياً مضاداً، على الغرب في دياره، بدءاً من كاليفورنيا، التي اتخذ فيها رهاب الصفر سمة رهاب العامل الصيني بشكل أساسي في ذلك الوقت.


بالتزامن، جاءت الهزيمة العسكرية الإيطالية عام 1896 أمام الأثيوبيين في معركة عدوه، وسبقتها قبل أعوام مقتلة الإنكليز الخرطوم على أيدي قوات مهدي السودان. ما بث الخشية من أن يقترن يأجوج وماجوج الآسيويين بتمرد جميع الشعوب الملونة. إيطاليا نفسها لن تخرج من صدمة هزيمتها في عدوه، وسيدخلها الاضطراب اذا كانت محسوبة على البيض بالفعل، أو إذا كان هزيمتها أمام الأثيوبيين هي بسبب الإمداد البريطاني لهم بالسلاح، ما يجعل تقبل هكذا إخفاق أكثر احتمالا! لأجل ذلك سينتشر في مطلع القرن العشرين خطاب «إيطاليا البروليتارية»، المحرومة من نيل ما للأمم الأوروبية الأخرى من مستعمرات، بسبب تواطؤ مع البيض مع الحبشة. هذا النوع من الخطاب لا يمكن استبعاده من بين مصادر تشكل الفاشية لاحقاً، وعندما سيعلن بينتو موسوليني حرب غزو الحبشة سيسوغ ذلك بالحرف بإسم «إيطاليا الفاشية والبروليتارية».

اتخذت سردية أفول الغرب في العشرين عاماً التي سبقت صدور كتاب الألماني أوزفالد شبنغلر بهذا العنوان، في جزئين، بين عامي 1918 و1918، سمة مغرقة في التشاؤمية من انحطاط الحضارة الغربية، ومهجوسة بالإحالة الى انحطاط الإمبراطورية الرومانية وتهاويها أمام البرابرة. في المقابل، عندما نشر شبنغلر قراءته لعملية تشكل التاريخ الكوني تحت عنوان «أفول الغرب» كان يبحث عن مخرج آخر لهذه النزعة التشاؤمية. بحيث ينتشلها من الذعر، بدءاً من مصالحة هذه النزعة مع حب التقانة والصناعة وليس الانصراف الى نوستالجيا ريفية سوداوية كئيبة. رأى شبنغلر في «الأفول الغربي» زمناً مرشحاً لأن يمتد لمئات الأعوام، ولا يتناقض مع استدامة تفوق الغربيين على بقية أقاليم العالم. أحال الى ثنائية اليونان وروما. اليونان هي الثقافة الحية عنده. روما هي أفول الحضارة الإغريقية. ومع ذلك تكامل ذلك مع سيطرة الرومان على حوض البحر المتوسط لقرون طويلة. الفكرة نفسها أعاد استيحائها صموئيل هانتغنون في مطلع «تصادم الحضارات» حين نظر الى الغرب كحضارة دخلت طور الأفول «على البطيء» منذ الحرب العالمية الأولى.

عنوان كتاب شبنغلر الذي تحل مئوية إتمامه هذا العام كان من النوع الذي سبق فيه محتويات الكتاب وطروحه. الأمر الذي عمّم نوع من «شبنغلرية مبتذلة» مستوردة خارج الغرب بشكل لا نقدي ورغبوي ومحموم. أهازيج مستدامة، شرقية وآسيوية وأوراسية… و«أدونيسية» بأن «وجهك يا غرب مات».

لا يعني ذلك أن الأمور لم تتبدل من وقت فرضت فيه أوروبا هيمنتها الاستعمارية الشاملة على شرق وجنوب وغرب آسيا وعلى افريقيا، خاصة وأن الديموغرافيا هي محدد أساسي، لكن التباطؤ في الأفول، وتحول الأفول الى مادة لخطاب «ثوري محافظ» حالة شبنغلر جدير بأن يستوقفنا أكثر. فالأفول يواجه عند شبنغلر بتمجيد ما يعتبره روح الاشتراكية الألمانية في مواجهة كل من الليبرالية والماركسية. والحال أن النبذ المزدوج لليبرالية والماركسية عملة سائبة، وإن تكن بلا رصيد جدي، هذه الأيام. أما في «لحظة شبنغلر» فكان لهذا النبذ المشترك لهما فكرة مبناها أن في الأمة الألمانية، وتحديداً في التقاليد والقيم البروسية، روحا انضباطية، تكافلية، متراصة، اذا اشتراكية، غير موجودة في الأمم الأخرى، ومختلفة تماماً عن الفردانية الانكليزية والمساواتية الفرنسية، وأن الماركسية لم تفقه هذه الروح الاشتراكية الألمانية وألحقت نفسها بالروحين الإنكليزية والفرنسية، فكانت «رأسمالية الطبقة العاملة» في مواجهة «اشتراكية المهندسين والمدراء الفنيين» جنبا الى جنب مع العسكر والصناعيين التي كان شبنغلر يكتب ملحمتها باسم الأفول.

خطاب «أفول الغرب» انتقل اذا من طبعته الأولى الداروينية الاجتماعية المقلوبة، الى طبعته الثانية، طبعة الثورة المحافظة، التي استعارت النازية لاحقاً من مصطلحاتها واستعاراتها بصرف النظر عن تبرم شبنغلر السريع من النازية، ولومها لأنها خانت الروحية البروسية الألمانية الصميمة هي الأخرى، وسلطت الدهماء على المدراء الفنيين والمهندسين، معشوقي ملحمة شبنغلر. في المقابل، وصف شبنغلر ماركس بأنه جيد كمفكر مادي، لكنه سيئ سيكولوجياً، لأنه لم يفهم هذه الروح الألمانية، وبدل الأمة التي تبني الاشتراكية لأنها منها وفيها، أخذ يبحث عن أمة وهمية، هي الطبقة العاملة المتشكلة من أنوات فردية على الطريقة الليبرالية الانكليزية تبحث عن مشروع مساواتي على الطريقة الفرنسية.
يبقى أنه في بعض التفتيش عن بقية باقية للاشتراكية الصينية اليوم، على أنها تستخدم الرأسمالية استخداماً لمقارعة الرأسمال العالمي بها، شيء من تسلل «الاشتراكية البروسية» الشبنغلرية الى المشهد.