قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

فجّر القرار الصادر عن المدعي العام الإيراني محمد جعفر منتظري بإلغاء شرطة الأخلاق من قبل السلطات المختصة موجة من ردود الفعل المتعارضة في فهمها لخلفيات هذا القرار، وهل يمكن أن يقود إلى انفراج في الأزمة التي تجاوزت في احتشاداتها وتظاهراتها حدود الاعتراض على قانون الحجاب الإلزامي على النساء الذي بدأ تنفيذه منذ عام 1983، أي بعد أربع سنوات من انتصار الثورة الإيرانية عام 1979. هذه الجماهير المنخرطة في التظاهر المتصاعد ضد قانون الحجاب الإلزامي الذي تشرف على تنفيذه شرطة الأخلاق، تجاوزت مطالبها تلك الحدود الضيقة لقانون الحجاب الإلزامي عقب وفاة الشابة الكردية مهسا أميني في أحد مراكز الاحتجاز التي تشرف عليها شرطة الأخلاق (16/9/2022)، وباتت تطالب ب «تغيير النظام»، الأمر الذي يضع قرار إلغاء شرطة الأخلاق في موقع لا يسمح بالإجابة عن سؤال وماذا بعد؟ هل تتجه الأزمة إلى الانفراج أم إلى التصعيد.

تعقيدات الإجابة عن السؤال محكومة بمحددات داخلية وأخرى خارجية من شأنها أن تضع قيوداً صارمة على قادة النظام لتقديم قائمة جديدة من الإصلاحات، التي لا تريد تسميتها ب «تنازلات» خشية أن يؤدي أي تنازل جديد إلى إغراء الرافضين والمحتشدين، خاصة المدعومين منهم من الخارج إلى فهم الرسالة بشكل خاطئ يقول إن النظام بدأ في التنازل تحت الضغوط، وإن المزيد من الضغوط ستؤدي إلى المزيد من التنازلات، ومن ثم يمكن أن يكون قرار إلغاء شرطة الأخلاق محفزاً للمزيد من الضغوط.

أول هذه المحددات ما يتعلق ب «رمزية» قانون الحجاب الإلزامي. فمنذ تأسيس هذا النظام سعى إلى خلق مجموعة من الرموز التي تميزه عن النظام السابق (العلماني). فقد حرص على «أسلمة» مؤسسات الحكم وأسلمة الشخصية الإيرانية سواء في شكل لباس النساء أو إطلاق اللحى بالنسبة للرجال. قبل الثورة الإيرانية لم يكن المجتمع الإيراني علمانياً، بل كان النظام السياسي علمانياً. كان لمراجع التقليد وكبار آيات الله والعلماء دور مركزي ومحوري في حياة الإيرانيين التزاماً بالمذهب الشيعي الاثني عشري. وهذه الخصوصية هي التي جعلت الثورة تنتصر ضد نظام الشاه. الجديد بعد نجاح الثورة هو سعي النظام إلى الاكتساء بثوب «الإسلامية»، كي تتكامل إسلامية النظام مع إسلامية المجتمع.

لم يقبل كل الإيرانيين ب «الالتزامات الإسلامية المفروضة» ومنها الحجاب الإلزامي. كانت إيران تعيش قبل انتصار الثورة حالة انسجامية بين داخل وخارج المرء. من يريد الحجاب عليه به، ومن يرفضه يرفضه دون أي تشكيك في جدية إسلاميته من عدمها. الآن وبعد ما يزيد على 40 عاماً من الثورة أخذت مسيرة الرفض تتسع لأسباب داخلية كثيرة، سياسية واقتصادية واجتماعية، منها التذمر ضد قانون الحجاب الإلزامي كنوع من «التنفيس» عن الضغوط المتراكمة. لكن النظام يعتبر أن الحجاب الإلزامي من ثوابته التي لا يمكن التراجع عنها، ومن ثم يجد نفسه في ورطة الحرص على تنفيس الأزمة والخروج منها، وخطر تأويل أي تنازل بخصوص الحجاب الإلزامي على أنه ضعف ينبئ بالمزيد من التنازلات.

المحدد الثاني يتعلق بارتباط أزمة الرفض الشعبي المتصاعد لقانون الحجاب الإلزامي بأزمة الرفض الشعبي للنظام، سواء من منظور القضايا الاقتصادية والمعيشية أو القضايا السياسية وعدم قدرة النظام على حل مشاكله الخارجية، خاصة أزمة الاتفاق النووي مع القوى الدولية، وهو ما أدى إلى استمرار فرض العقوبات الاقتصادية ومحاصرة النظام إقليمياً ودولياً. هذا الترابط بين الأزمات يضع قيوداً هائلة من النظام لتقديم تنازلات قد تكون منطلقاً للمزيد من التنازلات.

المحدد الثالث خارجي يتعلق بالطريقة التي عبرت بها الولايات المتحدة عن موقفها من وفاة الشابة مهسا أميني، حيث تلقف الأمريكيون حادث وفاتها للحديث عن أن أولوياتهم مع إيران لم تعد إنجاح مفاوضات الاتفاق النووي بل «تحرير إيران» باعتبار أن دعم التظاهرات هو الطريق لإسقاط النظام. شاركت أطراف دولية أخرى الولايات المتحدة هذا الفهم، خاصة الأوروبيين وإسرائيل، الأمر الذي دفع قادة النظام نحو المزيد من التشدد واعتبار التظاهرات «صنيعة خارجية» وأن الشعب الإيراني بريء منها.

على هذا النحو تتراكم القيود، وفي ذات الوقت تتراكم الضغوط على النظام للبحث في وسائل جديدة للتهدئة مع الشعب في الداخل دون الاضطرار إلى اتخاذ إجراءات يكون من شأنها الإساءة إلى مكانة النظام وهيبته.