كانت الجزائر من بين الدول التي استفادت في المدة الأخيرة من نتائج الحرب الروسية على أوكرانيا، ولا سيما في ما يتعلق بتعاظم أهمية امدادات الطاقة من نفط وغاز في اتجاه أوروبا التي فرضت عقوبات على روسيا وبدأت مسيرة للتخلص من الاعتماد على امدادات الغاز الطبيعي الرخيص الثمن نسبياً من روسيا، وذلك بعد مرحلة طويلة تحوّلت خلالها كبريات الدول الأوروبية وفي طليعتها المانيا وإيطاليا الى بلدان شريكة – مرتهنة للغاز الروسي وامدادته ووسائل نقله عبر شبكات الانابيب البرية والبحرية. في مرحلة ما بعد اتخاذ أوروبا قراراً استراتيجياً لخفض الاعتماد على الغاز الروسي وصولاً الى انهائه بشكل تام زادت أهمية البلدان الاخرى المنتجة للغاز الطبيعي مثل قطر، والجزائر التي تمتلك احتياطات كبيرة، وقدرة على الإنتاج يمكن أن تسهم في التعويض إلى حد معين عن تراجع الامدادت الروسية بسبب الحرب ونتائجها.
كان هذا التحول الاستراتيجي الناتج عن الحروب في أوكرانيا ما زاد من أهمية التوجه الأوروبي بشكل عام نحو بلد مثل الجزائر التي تعتبر في الأساس شريكاً لاوروبا في قطاع الطاقة، وذلك بسبب قربها الجغرافي على الشاطئ الجنوبي للبحرالابيض المتوسط، وكان سبق أن بنيت خطوط أنابيب بحرية تربط بين الجزائر وأوروبا من إسبانيا إلى إيطاليا.
ازدياد أهمية الجزائر في قطاع الطاقة منحها أوراقاً ثمينة في ما يتعلق بالقضايا التي تهمها، وأعطى علاقاتها مع أوروبا زخماً مختلفاً عما كان عليه قبل حرب أوكرانيا. لكن هذان الزخم والأهمية وبدلاً من أن يتم استثمارهما من قبل السلطات الجزائرية في الاتجاه الذي يدعم علاقاتها مع الشركاء الأوربيين والجيران المغاربيين، ذهبا في الاتجاه المعاكس حيث تميزت العلاقات بالكثير من التوتر في العديد من المجالات. فعلى سبيل المثال وبالنسبة للعلاقات مع إسبانيا نشبت أزمة كبيرة بين الجزائر ومدريد اثر تأييد الأخيرة في نيسان (أبريل) 2022 المقاربة المغربية لحل قضية الصحراء المغربية وفق الخطة التي قدمتها الرباط عام 2007 للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ومرجعية القرارات الصادرة عن مجلس الامن. وكانت مسارعة الجزائر الى قطع الامدادات بالغاز إلى اسبانيا عبر خط الأنابيب الذي يعبر في الأراضي المغربية شكلت ضربة لمبدأ عادة ما تسير عليه الدول المصدرة للنفظ والغاز يقضي بالمحافظة على استقرار الامدادات.
وقد مثلت قضية استقرار الامدادات وأمنها دائماً واتزان السياسة الخارجية للبلدان المصدرة للنفط مسألة جوهرية عكست وتعكس نضوج هذه البلدان في مقاربة علاقاتها مع العالم الخارجي. وإذا ما أضأنا على مسار روسيا أيام الاتحاد السوفياتي السابق، نرى أنه في عز الحرب الباردة كانت موسكو تفصل بين صراعها الدولي مع المعسكر الغربي والعلاقات التجارية ولا سيما تصدير النفط والغاز إلى الأسواق العالمية وعلى الأخص الأوروبية. وعلى مستوى آخر، إذا ما استثنينا محطة حرب أكتوبر1973 بين العرب وإسرائيل، ومسارعة الدول العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية إلى قطع النفط عن الدول المؤيدة والدعمة لإسرائيل، فإن تاريخ امدادات الطاقة من منطقة الخليج العربي الى الأسواق العالمية لم يتأثر مرة واحدة بتوجهات سياسات البلدان المصدرة للنفط، ولم يكن مرة رهناً بالعلاقات السياسية أو النزاعات.
في حالة الجزائر التي تحولت إثر الحرب على أوكرانيا الى نقطة جذب للأسواق النفطية، فشلت هذه في تقديم نفسها كبلد مصدر يتعامل بنضوج يوازي ازدياد أهميته الراهنة في قطاع النفط. وبدلاً من أن يترافق هذا التحول الإيجابي مع تحسين علاقات الجزائر الخارجية، انهارت علاقاتها مع أقرب جيرانها مثل المغرب ، بدءاً من إفشال القمة العربية التي استضافتها قبل شهرين تحت عنوان "لم الشمل"، فكانت المضايقات التي أدت الى إلغاء ملك المغرب مشاركته في القمة وتراجع مستوى التمثيل على مستوى القادة عموماً، وصولاً الى تعطيل مشاركة المغرب أيضاً في بطولة الأمم الافريقية للمحليين بسبب رفض إعطاء الترخيص للطائرة التي كانت ستقل الفريق المغربي لأسباب كيدية لا تليق بسلطات مسؤولة.
وإذا ما راقبنا هذه الفترة التي يفترض في الجزائر أن تستغل تنامي أهميتها بسبب التزاحم على الطاقة، نلحظ أن العلاقات مع الجارة الاوروبية الأقرب أي فرنسا تترنح تحت عناوين عدة أهمها اليوم عقدة مطالبة الجزائر فرنسا بالاعتذار والصفح عن مرحلة الاستعمار، وهي تستغل اهتمام الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وإصراره على تطبيع العلاقات الثنائية وعينه على امدادات الغاز الطبيعي من أجل وضع ملفات شديدة التعقيد على الطاولة مثل عقدة العلاقة التاريخية بين البلدين، أو محاولة إحراج باريس في قضية الخلاف المفتعل حول الصحراء المغربية، بأن توضع فرنسا أمام خيار "إما الجزائر أو المغرب"، تماماً مثلما يحصل مع اسبانيا . هنا المشكلة كبيرة، لان سلوك السلطات الجزائرية لا سيما منذ تبوأ الرئيس عبد المجيد تبون مقاليد السلطة عام 2019 ازداد عداء للجارة المغرب، و لم يمنح أي هامش للعمل الدبلوماسي بين بلدين كانا وسيبقيان جارين اليوم وغدا وبعد غد. انما محاولة استغلال موضوع الطاقة لرهن مواقف الدول الأوروبية الكبرى مثل فرنسا أو إسبانيا فمسألة محفوفة بالمخاطر على مستقبل علاقات الجزائر مع هذه الدول، لا سيما ان قطاع الطاقة لا بد ان يعود في وقت من الأوقات الى طبيعته حالما تتوقف الأعمال الحربية في أوكرانيا.
ان التجربة التي يجب الاستفادة فيها من دول الخليج العربي هي هذا الحرص على الاستقرار في معادلة امدادات الطاقة، وتحييدها عن مشاكلها الخارجية، والأهم توجيه الثروات المتأتية من النفط صوب مشاريع التنمية، و التحديث، ومحاربة الفقر والبطالة وردم الفجوات بين مختلف الشرائح الاجتماعية. والأهم الأهم حل النزاعات والخلافات مع اقرب الجيران من اجل حماية الاستقرار الداخلي والإقليمي. هذه هي مهمة حكومات البلدان التي تمتلك ثروات ولم تفلح في عملية ترشيد استغلالها.














التعليقات