تمر العلاقات السعودية الامريكية بحالة غير مسبوقة من التوتر الذي تقوده بعض الاجنحة في الادارة الامريكية في الداخل وعدد من الصحف الامريكية، في الوقت الذي اختلفت فيه سياسة السعودية التي يقودها ولي العهد السعودي التي لم تعد تسير في فلك التعليمات الامريكية. لذلك

تكتسب الزيارات التي تقوم بها القيادة الامريكية الى الرياض منذ الزيارة التي قام بها الرئيس جو بايدن في يوليو 2022 وانتهاءً بالزيارة الاخيرة لزيارة وزير خارجيته انتوني بلينكن الى المملكة العربية السعودية في الفترة من 6 إلى 8 يونيو 2023، اهمية«بسبب الظروف التي تمر بها العلاقات بين البلدين. وقد ذكر بيان لوزارة الخارجية الامريكية فيما يخص زيارة بلينكن:» بأنه يجتمع مع المسؤولين السعوديين لـ«مناقشة التعاون الاستراتيجي الأمريكي السعودي في القضايا الإقليمية والعالمية ومجموعة من القضايا الثنائية بما في ذلك التعاون الاقتصادي والأمني».

كما جاء في نفس البيان بأن الوزير الامريكي:

«سيشارك في اجتماع وزاري لمجلس التعاون الخليجي الأمريكي في 7 يونيو، لمناقشة التعاون المتعاظم مع شركائنا في دول مجلس التعاون الخليجي لتعزيز الأمن والاستقرار وخفض التصعيد والتكامل الإقليمي والفرص الاقتصادية في جميع أنحاء الشرق الأوسط».

وتحظى هذه الزيارة - في نظري - بأهمية بالغة بالنسبة للقيادة الامريكية على الرغم من تجاهل الاعلام بالمملكة السعودية لها نظرا لما تشهده العلاقات بين البلدين من توتر ملحوظ رغم محاولات الجانبين التستر واخفاء الحقيقة التي - بلا ادنى شك - لها انعكاسات خطيرة تمس امن واستقرار المنطقة وتعرضها للعديد من التهديدات التي من اهمها:

اولا: العلاقات مع ايران في ضوء اخر تطورات الملف النووي الايراني وتجاهل مطالبات الجانب الخليجي مع استمرار ايران في عمليات التخصيب.

ثانيًا: الحرب الدائرة في اليمن وتداعياتها الأمنية على السعودية ودول مجلس التعاون.

ثالثا: الضغط الامريكي نحو تطبيع العلاقات السعودية الاسرائيلية الذي لا يلقى من الجانب السعودي اهتماما لاعتبارات واسباب متعددة.

واذا اخذنا ما تشهده العلاقات الخليجية الامريكية من توتر ومرحلة مصيرية تتطلب الشفافية والوضوح وفقا للمصالح الثنائية والاستراتيجية والعلاقات التاريخية التي تربط الجانبين، وعلاقة ذلك بالدور الإقليمي القادم لإيران التي استطاعت أن تفتح أبوابا جديدة في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب بعد الاتفاق النووي الذي تم حول ملفها النووي في لوزان.

وانطلاقا من ايمان دول مجلس التعاون بدورها بتحقيق أهداف ومقاصد ميثاق الامم المتحدة في حفظ السلم والأمن الدولي واتخاذ التدابير المشتركة الفعالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم وتقمع اعمال العدوان وفقا لمبادئ العدل والقانون الدولي، ومن اجل ان يحفظ مجلس التعاون على سيادته واستقلاله الوطني ومواجهة استحقاقات المتغيرات الاستراتيجة والتطورات المتسارعة التي يشهدها العالم على كافة الاصعدة، فإن ذلك يتطلب المراجعة الدقيقة لعلاقاتها مع الولايات المتحدة نظرًا لما تتعرض له منطقة الخليج العربي والجوار الإقليمي من تحولات ومستجدات وماتتطلبه من اتخاذ دول مجلس التعاون من خطوات مستقبلية لصيانة أمنها واستقرارها وحفظ مكتسبات مواطنيها وتطلعاتهم المؤمنة بأن مصالحها لايمكن ان تتحقق الا بالتماسك والتكامل والاتحاد ودور مجلس التعاون كمنظومة إقليمية فاعلة على المستوى الدولي والإقليمي بما ينسجم ومصالحة الاستراتيجية في اطار رؤية سياسية واستراتيجية للحد الادني الذي يتفق عليها فيما بينها تراعي مصالحها وتعزّز أمنها واستقرارها وتقوم على عدد من المرتكزات اهمها:

أولًا:

على دول مجلس التعاون أن تضع للبعد الخليجي الذاتي الأولوية، حيث إن مكانة وفاعلية مجلس التعاون بعد أكثر من اربعين عامًا على قيامه، تعتمد على مدى قوته وقدرته على التماسك والتقارب بين أعضائه، وذلك بعد انتهاء سحابة الازمة التي مرت بها عام 2017 لان الأوضاع الحالية في المنطقة والصراعات المحيطة بدول المجلس الدائرة في اليمن وليبيا وسوريا والعراق وغزة تحتم صيانة أمن دول المجلس واستقرارها، وذلك بمراجعة شاملة ومتعمقة للآليات المتعلقة بالدفاع والأمن والاقتصاد وحقوق الإنسان، باعتبارها مجتمعة تتطلب معالجة طبيعة المرحلة الحالية وتداعياتها للوصول الى الاتحاد الخليجي بوضع خطط وجدول زمني يحدد قيامه بعد استكمال المواطنة الخليجية الكاملة على ان تستكمل المناقشات حول القضايا الخلافية في اجتماعات لاحقه ووفق برنامج زمني محدد.

ثانيًا:

من مصلحة دول مجلس التعاون التوصل إلى حل سلمي للملف النووي الإيراني، لكن يجب ألاَّ يكون الحل على حساب مصالح دول المجلس بتغيير الموازين العسكرية والأمنية القائمة والقرار السياسي في المنطقة، والحذر أن يكون الاتفاق النووي المتفق عليه في لوزان ثمنا لتنازلات تقدم لإيران، وهذا يتطلب خطة استراتيجية قائمة على تحديد المصالح الأمنية والعسكرية والاقتصادية لدول المجلس، كما يجب الانتهاء من الأزمة السياسية في اليمن بعد الاتفاق السعودي الايراني الذي يمهد الطريق نحو الحل السياسي حسب قرار مجلس الأمن رقم 2216 ومخرجات الحوار الوطني بين الاطراف اليمنية خاصة وأن الاتفاق السعودي الإيراني يؤكد على عدم التدخل في الشؤون الداخلية وسيبقى حاضرا لمراقبة حسن النوايا واعادة الثقة من خلال إلغاء ايران لأيدولوجيتها بتصدير الثورة باذرع حلفائها في اليمن او غيرها من العواصم العربية، وذلك بالعمل على احتواء هذا التهديد بما يلي:

- برنامج تنموي عملاق لإعادة إعمار وبناء اليمن وبنيته التحتية الشاملة تشارك فيه دول مجلس التعاون والمجتمع الدولي.

- التنسيق مع الامم المتحدة للتوصل السريع الى الحل السياسي في اليمن والقائم على المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني اليمني وقرار مجلس الامن الدولي.

- النظر في إمكانية انضمام اليمن لعضوية مجلس التعاون كدولة غير كاملة العضوية لها الأفضلية- على طريقة الاتحاد الأوروبي مع تركيا- في المرحلة الحالية، وتهيئة الظروف والأرضية المناسبة لدخول اليمن في العضوية الكاملة لمجلس التعاون في المستقبل القريب.

ثالثًا:

- المراجعة الشاملة للعلاقات الخليجية الامريكية لمعالجة تردي الاوضاع وتوترها بين الجانبين والبحث عن السبل الكفيلة بتخلي الولايات المتحدة عن مهمة تغيير الانظمة القائمة في الخليج العربي واثارة الفتنة والشقاق بين دوله عن التدخل في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون واتخاذ الوسائل الكفيلة بردع دعمها للأعمال التي تهدد امن واستقرار المنطقة ككل.

من هذه المنطلقات اصبح الشراكات الاستراتيجية والأمنية والعلاقات التاريخية القائمة بين دول مجلس التعاون والولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في هذه المرحلة الحساسة التى تمر بها المنطقة ذات مسؤولية كبيرة، انطلاقا من ان الامن والاستقرار في دول المجلس من اهم ركائز أمن تصدير الطاقة واستقرار اسواق البترول العالمية. يقابلها فتح الابواب لعلاقات اوسع مع كل من الاتحاد الروسي والصين من اجل خلق توازنات استراتيجية وأمنية تساعد على حفظ أمن واستقرار دول مجلس التعاون وعدم ترك الابواب مفتوحة للولايات المتحدة الامريكية فقط التي قللت من الاهمية الاستراتيجية لدول مجلس التعاون بسبب استراتيجية التوجه شرقا نحو الهند وما وراء الهند.