ما يدور في العالم من صراعات عسكرية مسلّحة مختلفة يصعب أن يطلق عليها اليوم واقعياً وعملياً مصطلح «حرب» دون كلمة رديفة تصبح ملازمة لكل نوع من الحروب المعاصرة. فنقول على سبيل المثال حرب «الوكالة الخاصة» وهو عندما تدير الشركات والميلشيات الحروب بالنيابة عن دولة ما، أو حرب «استنزاف كبرى أو صغرى» أو حرب «إخماد» أو «تأجيج مركز الأزمة»، أو حرب «ردع استراتيجي متقدم» أو حرب «الدفاع عن العمق الحيوي».. إلخ، وكلها حروب أقرب لحملات الوقاية المبكرة أو الجراحات السريعة أو العلاجات المطولة، أكثر من كونها حروباً تقليدية بحتة بما أنها تدور في ساحات معقدة مرئية وغير مرئية، وهو ما يجعلنا نتساءل عن تكتيكات الحروب وشكل الجيوش وتدريبها وتسليحها، والأدوات والوسائل الأخرى غير العسكرية التي تستخدم متزامنةً مع شن الضربات العسكرية وهي أكثر فتكاً منها، وذلك على شاكلة الأسلحة الاقتصادية والمالية والثقافية، والمناخية والصحية والتكنولوجية والمعلوماتية، والقائمة تطول لضربات متتالية تتكامل مع مفهوم الحسم العسكري، وحتماً تتطلب رؤساء أركان وهيئات أركان قتالية وغير قتالية في الجيوش الحديثة في منظومة الدفاع الشامل للدول.
وقد نسمع عن ترسانة حديثة متطورة أقرب إلى الخيال العلمي من الأسلحة ولا نراها وتبقى طي الكتمان للدول العظمى عسكرياً، وذلك لإحداث الفارق النوعي في ترجيح كفة على الأخرى دون أن يكون هناك وقتاً لردة الفعل، وهو ما يعتقده كل جانب ويضع سيناريوهات تعذّر الرد كرد في حد ذاته وبطرق لا تخطر على عقل بشر، وبالتالي تستخدم فيها الحواسيب العملاقة فائقة السرعة والذكاء إلى جانب الخبرات البشرية النادرة، وهو ما يجعل كل دولة لا تتعدى الخطوط الحمراء التي لا يكون فيها الرد ممكناً حتى ولو ملكت أفضل الأسلحة وأكثرها تطوراً على مر التاريخ البشري، ولهذا نرى اليوم أن مسألة الحسم العسكري للمعارك في الميادين والانتصار فيها، قد يكلف المنتصر أضعافاً مضاعفة بقدر ما سوف يكلفه الإذعان بالخسارة، أو الانسحاب أو التراجع أو المماطلة وإطالة أمد الصراع بغاية تحقيق الأهداف غير العسكرية، والغايات الرئيسية للدول من خوض الحروب أو المشاركة فيها.
ونلاحظ في العقود العديدة الماضية أن الحروب لها سمات رئيسية ناشئة، وذلك كأن تدور المعارك بين الجيوش النظامية إلى جانب غير النظامية في صورة مشتركة ومتداخلة، يتحول فيها السكان إلى جزء من المجهود العسكري الأكبر، وحتى عندما يواجهون خصماً أقوى وأكثر في العدة والعتاد، وحينها تباشر الجيوش النظامية بتبنّي أساليب شبه نظامية، وقد تتبنى استراتيجيات حروب الميلشيات والعصابات الكبرى المنظمة، والتي تحقق من خلالها قدراً أكبر من ضبط النفس في استخدام القوة والحد من تكلفة الاحتفاظ بالقوة الضاربة في القوات المسلحة خارج الدولة، والتحول للضربات الاستطلاعية والمناورات المتفرقة وتسخير التقنيات والتكنولوجيا التصنيعية الحديثة للسلاح الأكثر فعالية، مع وجود ميزة وهمية للجهة التي تدافع عن الجهة التي تهاجم، وتشير هذه السمات الناشئة للحرب إلى أننا ندخل عصراً جديداً من الحروب غير الحاسمة التي تتميز بالجمود والقتال المتقارب.
فالكرّ والفرّ في المعارك ارتدى حلةً جديدة بضربات استباقية ذات تقنية عالية موجهة ضد خصم تم تشتيته بالحملات الفردية السريعة، والهجمات المفاجئة المحدودة التي تحوّل الدفاع التكتيكي لصالح المعتدي، وجعل الحرب جزءاً من المفاوضات المعقدة المستمرة لتحقيق ميزة نسبية بين القوى العظمى والكتل الداعمة لها.
التحدي الذي يواجه المهاجم اليوم، هو أن المدن أكبر بكثير من السابق وهناك العديد منها، حيث إن التضاريس الحضرية تخفف إلى حد كبير من مزايا أسلحة القرن الحادي والعشرين ومنصات الاستطلاع وتناقض الجداول الزمنية المتفائلة للخصم، ناهيك عن دور المقاومة الشعبية الناعمة – الإلكترونية، والتقنية ذات التكلفة المنخفضة والأثر الكبير، كما أن الإسناد العسكري لم يعد فقط من الداخل بل خارجي ضمن صراعات التحالفات الكبرى.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات
- آخر تحديث :














التعليقات