خيرالله خيرالله

أن يتمكن الرئيس دونالد ترامب، من وقف حرب أوكرانيا... أو يفشل في ذلك. ليست تلك المسألة. المسألة كيف سينعكس الأمر على الأمن الأوروبي من جهة وعلى مستقبل العلاقات بين القارة الأوروبية والولايات المتحدة من جهة أخرى. فقد كانت السنة 2025 سنة مليئة بالأحداث الكبيرة. يشمل ذلك استمرار الحرب الأوكرانيّة في سنة كانت مليئة بالأحداث. كانت مليئة إلى درجة يصعب معها تقديم حدث على آخر، من ناحية الأهمّية، خصوصاً في ضوء ما خلفته حرب غزّة على صعد عدة.

في ضوء أحداث السنة 2025، بات واضحاً أنّ 2026 ستكون سنة كلّ المخاوف، لا لشيء سوى لأنّه لا يمكن الاستهانة بدفع إدارة دونالد ترامب، في اتجاه تسوية تقوم على تنازلات تقدمها أوكرانيا. يكمن الخوف الكبير، في الوقت ذاته، في أنّ يكرّس الرئيس الأميركي الحالي مفاهيم جديدة في العلاقات الدولية تخدم مشروع اليمين الإسرائيلي الذي يرمز إليه بنيامين نتنياهو، خصوصاً في ما يتعلّق بمستقبل الضفّة الغربيّة المحتلة منذ حرب يونيو 1967.

يخشى، في الواقع، أن تكرّس إدارة ترامب، مفاهيم جديدة على الصعيد الدولي. مفاهيم مختلفة عن تلك التي تحكمت بالعالم منذ هزيمة المشروع النازي في العام 1945، ونهاية الحرب الباردة مع انهيار جدار برلين ثمّ تفكّك الاتحاد السوفياتي في أواخر تسعينات القرن الماضي وبدايتها. انهار جدار برلين في نوفمبر 1989، وأعلن عن نهاية الاتحاد السوفياتي رسمياً في 25 – ديسمبر 1991.

مع هذين الانهيارين انتهت الهيمنة السوفياتية على جزء من أوروبا.

في مقدّمة المفاهيم الجديدة التي يخشى أن تفرضها إدارة ترامب، انطلاقاً من أوكرانيا، تبرير سيطرة دولة على أراضي الغير بالقوّة. يبدو مطلوباً، من وجهة نظر أميركيّة، من أجل توقف الحرب تنازل أوكرانيا عن جزء من أراضيها في مقابل ضمانات أميركية وغير أميركيّة...

الأخطر من ذلك كلّه، أنّ السنة 2025 التي كشفت فيها إدارة ترامب عن «إستراتيجية الأمن القومي» للولايات المتحدة، أكدت ازدراء أميركيا للقارة الأوروبيّة. وضعت واشنطن نفسها في دور الوسيط بين أوروبا وروسيا، وغيّر دونالد ترامب طبيعة العلاقة القائمة بين أوروبا والولايات المتحدة. أكثر من ذلك، يبدو أنّه لم يعد يقيم أهمّية تذكر للأمن الأوروبي.

سيسعى اليمين الإسرائيلي إلى استغلال المفهوم الأميركي الجديد لطبيعة العلاقات بين الدول. مثلما اعتبر فلاديمير بوتين أنّ لروسيا حقوقاً مشروعة في أوكرانيا، لم يعد مستبعداً أن يستنجد بنيامين نتنياهو ومجموعة المتطرفين التي تتحكّم بمصير حكومته بدونالد ترامب، كي يكرّس الاحتلال الإسرائيلي للضفّة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، ولجزء من قطاع غزّة. لم يعد سرّاً أنّ إسرائيل تريد حزاماً أمنياً في غزّة وأن طموحها السيطرة نهائياً على الضفة الغربيّة عن طريق مزيد من المستوطنات والتهجير للفلسطينيين.

منذ احتلال إسرائيل للضفّة الغربيّة، ثمة موقف يجمع بين السياسيين الذين تعاقبوا على موقع رئيس الوزراء في الدولة العبريّة. رفضت إسرائيل دائماً أي عودة إلى حدود 1967. رفضت ذلك من منطلق أن الضفّة الغربية أرض «متنازع عليها». جاء اعتراف القمة العربيّة في العام 1974، بمنظمة التحرير الفلسطينية «ممثلاً شرعياً وحيداً» للشعب الفلسطيني ليدعم الموقف الإسرائيلي. يعود ذلك إلى أن إسرائيل احتلت الضفّة الغربية، فيما كانت تحت سيادة دولة اسمها المملكة الأردنية الهاشمية، وليس تحت سيادة منظمة التحرير الفلسطينية.

تذرّعت إسرائيل بهذا التطوّر لترفض أي اتفاق من أي نوع في شأن الضفّة مع الأردن، استناداً إلى القرار 242، الصادر عن مجلس الأمن. رفضت إسرائيل كل العروض من أجل تنفيذ انسحاب، ولو مرحلي، من الضفة الغربية. استندت إلى أن الأردن، من الناحية القانونية، لم يعد يمتلك، بموجب قرار عربي، الحجة التي تسمح له باستعادة الضفة بموجب القرار 242 الذي في أساسه مبدأ «الأرض في مقابل السلام». صارت هذه المسؤولية، من وجهة النظر الإسرائيلية، مسؤولية منظمة التحرير الفلسطينيّة!

من أوكرانيا إلى الضفّة الغربيّة، تظهر خطورة السياسة الأميركية التي تشير إلى حصول انقلاب على صعيد العلاقات الدولية. مع مرور الوقت، ستضعف الإدارة الأميركيّة وممارسة نفوذها على إسرائيل، خصوصاً مع اقتراب موعد انتخابات الكونغرس في نوفمبر 2026.

في غياب معجزة، سيأخذ الرئيس الروسي ما يريده من أوكرانيا التي لا تستطيع أوروبا توفير الدعم اللازم لها وحدها. لا انياب لدى أوروبا التي تعاني دولها من مشاكل كبيرة من دون الآلة العسكريّة الأميركيّة. في الوقت ذاته، سيحاول «بيبي» أخذ ما يريده من الفلسطينيين، على الرغم من مقاومتهم المستمرّة للاحتلال منذ سنوات طويلة مثبتين أنّّهم شعب استثنائي في هذا المجال... مجال مقاومة الاحتلال والصمود في وجهه. إنّّه انقلاب أميركي بكلّ معنى الكلمة، بل انقلاب هو الأول من نوعه منذ شاركت أميركا أثناء الحرب العالميّة الثانية في إفشال المشروع المجنون لأدولف هتلر...