محمد سليمان العنقري

منذ نهاية الصراع بين الكتلتين الرأسمالية بقيادة أميركا والاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفيتي الذي تفكك عام 1991 معلناً بداية المخاض لولادة نظام عالمي ظهرت عدة مشاريع إقليمية وضعت شعارات عدة لكي يتم قبولها لكنها لم تنجح؛ لأنها ركزت على أن يحظى مطلقوها بحصة كبيرة من المكاسب، بل وكان بعضها قائماً على زعزعة استقرار الدول، والأخطر تلك التي تدعم مشاريع انفصالية مثل المشروع الإسرائيلي انطلاقاً من عقدة تحقيق أمنها الوهمية التي تحاول استغلالها لتمرير أهدافها التدميرية بالمنطقة والذي سيكون مصيره الفشل لها ولكل من راهن عليه، لكن المنطقة فقدت فرصاً عظيمة في التنمية والازدهار منذ عقود تلت قيام كيان الاحتلال الإسرائيلي الغاصب لحقوق الشعب الفلسطيني، فهذا الملف طغى على مستقبل المنطقة واستُغل بتدخلات من قوى دولية كبرى اتجهت لإدارة الأزمات المتفجرة منه دون أي حسم يؤدي لنيل الشعب الفلسطيني حقه بدولة مستقلة والتحول نحو شرق أوسط مستقر ويتقدم تنموياً.

ورغم هذا التأزم في المنطقة إلا أن دول الخليج انفردت عن غيرها بالاستقرار والتقدم الاقتصادي والتطور لتكون منارة أعطت الأمل بأنه يمكن أن تنتقل هذه العدوى التنموية الحميدة لبقية الدول بالمنطقة؛ مما يعزز إمكانية قيام منطقة اقتصادية رائدة عالمياً نظراً للإمكانيات الهائلة فيها من حيث الموقع الجغرافي والثروات الطبيعية والمخزون السكاني الضخم، حيث تعد أسواقها مجتمعة كبيرة جداً، لكن ذلك يحتاج لمشروع تنموي حقيقي واضح الأهداف وبخطة تنفيذية واقعية ويستفيد منه الجميع كما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية التي أصبحت دولها مجتمعةً ثاني أقوى اقتصاد عالمي بعد أميركا.

لذلك يعد مشروع رؤية 2030 السعودية أفضل وأهم مشروع تنموي أُطلق ليس في الشرق الأوسط فقط بل من الأهم عالمياً، فركائزه الثلاث «وطن طموح واقتصاد مزدهر ومجتمع حيوي» يمكن تعميمها على كامل الشرق الأوسط، ومنذ بداية تنفيذها قبل تسعة أعوام انعكست إيجابياتها بشكل واضح على اقتصاد المملكة الذي فاق نموه خلال هذه المرحلة بأكثر من 70 بالمائة، ليصل حجم الناتج المحلي السعودي لحوالي 1،3 تريليون دولار ومازال المجال كبيراً لمزيد من النمو القوي خلال العقدين الحالي والقادم، وأصبح النشاط الاقتصادي الضخم الذي حركت به المملكة كافة قطاعاتها الاقتصادية مثالاً يحتذى به عالمياً، حتى أن كبرى شركات الاستثمار والبنوك العالمية مثل بلاك روك وجي بي مورغان وغيرهم عبروا عن ذلك بأنهم يرون السوق السعودي الأفضل في العالم من حيث معدلات النمو لأعمالهم نظير حجم المشاريع المتنوعة والضخمة المبنية على نظرة واقعية لقدرة تحقيق معدلات نمو وربح كبيرة في القطاعات التي تم التركيز عليها مثل التعدين والخدمات اللوجستية والذكاء الاصطناعي والمجال التقني والطاقة المتجددة والسياحة والاقتصاد الإبداعي وما يرتبط بها من أنشطة صناعية وخدمية.

لكن لماذا رؤية 2030 هي الأفضل للمنطقة ؟ ذلك لأنها تركز على التنمية بشكل أساسي وتدعم حل كافة الملفات التي تحد من استقرار المنطقة السلم فيها، وتدعم أحقية دول الشرق الأوسط والعالم العربي تحديداً بأن تتحول نحو استثمار إمكانياتها لتوفير فرص العمل والتعليم وتحقيق نهضة اقتصادية شاملة، كما أن أهميتها تبرز في مد الجسور للدول الكبرى اقتصادياً والمناطق الاقتصادية العالمية لتكون شريكاً استراتيجياً مع دول الشرق الأوسط بدلاً من أدوار محدودة ارتبطت أغلبها بإدارة ملفات النزاعات التي ظهرت خلال حوالي 8 عقود مضت، فالرؤية تهدف لتبادل مصالح المنطقة مع العالم ليتحول المسار نحو جذب الشركات والاستثمارات العالمية للشرق الأوسط؛ مما سيساهم بتعزيز التنمية والاستقرار فيها وكذلك نقل التكنولوجيا والخبرات الدولية واستثمار طاقات الشباب في نهضة اقتصادية ستكون غير مسبوقة عالمياً.

فشلت كل المشاريع الإقصائية والتدميرية والمبنية على مصالح ضيقة ونجحت رؤية 2030 منذ إطلاقها في التفاف دولي حولها، فقد عُقدت في الرياض قمم عديدة بين دول العالمين العربي والإسلامي مع أميركا والصين، وكذلك عقدت قمم عديدة مع دول الاتحاد الأوروبي ودول أميركا الجنوبية وكذلك دول قارة إفريقيا واستقبلت المملكة أعداداً كبيرة من قادة دول العالم وأصبحت تقام فيها أهم المؤتمرات الدولية للاستثمار والتعدين والتقنية والسياحة وبالمجال المالين ويكاد لا يمر أسبوع إلا وهناك فعالية من هذا النوع في مدينة من مدن المملكة بخلاف الفعاليات المحلية والمشاركات الدولية؛ مما شكَّل نموذجاً واعداً وواضحاً وعملياً وواقعياً لجميع دول المنطقة، كيف يمكن التحول نحو تنمية تواكب القرن الحالي وتستثمر الإمكانيات والطاقات لبناء مستقبل تنموي قائد ورائد بالمنطقة والعالم، ولن ينجح أي مشروع في الشرق الأوسط لا يخدم المسار التنموي، ولذلك رؤية 2030 هي الوحيدة التي تحقق هذه التطلعات لأن أهدافها وغاياتها تخدم الجميع وتعد نموذجاً حقيقياً لخارطة نجاح مضمونة النتائج.