ناهد الأغا

في المسرح، الثقافة تمشي بين الناس، ترتدي ملامحهم، أصواتهم، ارتباكهم وأحلامهم

الصغيرة التي لا تقال هناك، يصبح السؤال بطلًا، ويتحوّل الصمت إلى حوار طويل مع الذات.. وحين يلتقي المسرح بالمجتمع، يصبح الفن رسالة، والعرض لحظة مواجهة صادقة مع الواقع، على خشبته لا يُطلب من المتلقي أن يصفّق، بل أن يُنصت، أن يشكّ، وأن يعود إلى ذاته أكثر وعيًا مما كان.. يأتي مهرجان الرياض للمسرح كمساحة دافئة تتلاقى فيها الحكايات، بوصفه منصة وطنية تحتضن المبدعين السعوديين، وتمنحهم فضاءات عرض احترافية تليق بتجاربهم، وتسهم في الارتقاء بجودة الإنتاج المحلي، وترسيخ الحضور الثقافي للمملكة إقليميًا ودوليًا، بثقة تزداد ونضج يتعمّق.. هنا، يجد المسرح مكانه الطبيعي ويستعيد دوره الأصيل، كرافد من روافد الثقافة الوطنية، وملاذًا للإبداع، تحت مظلته تتجاور التجارب؛ مواهب شابة تخطو بخطوات واثقة، وأسماء مخضرمة تمنح الخبرة معناها الإنساني، حيث تولد الأعمال الجديدة كأحلامٍ مكتملة الملامح، تعكس عمق التجربة الإبداعية السعودية وثراءها..

ومهرجان الرياض للمسرح هو إحدى المبادرات المحورية لهيئة المسرح والفنون الأدائية، التي تنبثق من قلب مستهدفات رؤية المملكة 2030، لتمنح المسرح السعودي مساحته المستحقة في المشهد الثقافي، فتزداد الرياض بهذا الحدث إشراقًا، عاصمة تحتضن الثقافة كما تحتضن أبناءها، وتحوّل دعم الدولة للفنون إلى فعل حيّ، يؤمن بأن المسرح هو شريك صادق في صناعة الوعي..

وفي مرحلته الأولى، يُفتح باب استقبال المشاركات المسرحية من كل أرجاء المملكة، لتبدأ بعدها رحلة الفرز والترشيح كرحلة اكتشاف، حيث تُقيّم الأعمال بدقة وحرص لتُختار الأنقى، الأكثر شجاعة في التعبير، والأقوى حضورًا على خشبة المسرح، وقد أسفرت هذه العملية المتسلسلة عن اختيار أفضل عشرة عروض، لتتأهل في المرحلة النهائية، وهكذا في قلب العاصمة، انطلقت ليالي المهرجان، وفتح المسرح أبوابه لكل قلبٍ يحب الفن، ويبحث عن الجمال في تفاصيل الحياة اليومية، وارتسمت أمام الجمهور أعمال مسرحية نابضة بالحياة: «التكلم حتى أراك»، ورؤى المستقبل في «يوتوبيا»، ولحظات التأمل في «التعطيل»، وفن ترتيب التفاصيل في «جنيا ترتب الأشياء»، مرورًا بعمق الإحساس في «اللوحة الثالثة»، ونغمات السلام في «كننة سلام»، وحتى صراخ الأمل في «حتى يغيب الأمل»، وعنفوان الصرام في «الصرام»، وغرابة الحكايات في «عجر الكروايب» وفي خضم هذا الإبداع ، ارتسمت على الخشبة وجوه تنبض بالوفاء والإبداع: عبدالرحمن المريخي، الذي زرع البسمة في قلوب الأطفال، وإبراهيم الحمدان، الذي منح الكلمة والمشهد حياةً، إلى جانب تتويج نجوم الإخراج والتمثيل والنص والعناصر الفنية. وإلى جانب العروض، فتحت الورش التدريبية والجلسات الفنية نوافذ جديدة للتعلّم والتأمل، في مسعى واعٍ لتطوير مهارات المشاركين وتعزيز الحراك المسرحي بوصفه فعلًا ثقافيًا مستدامًا، وجاءت البرامج الأكاديمية كمساحة تفكير عميق، من بينها ورشة «الفضاء المسرحي والسينوغرافيا» التي قدّمها الأستاذ محمد جميل، حيث تحوّلت العناصر البصرية إلى لغة موازية للنص، تُسهم في بناء الرؤية الإخراجية وتكثيف أثرها الجمالي على الخشبة وعلى المسرح الأحمر، امتدت الليالي الغنائية كجسور فرح، أحياها نخبة من الفنانين الخليجيين والعرب، من بينهم برهان، وأروى السعودية، ومحمد فضل شاكر، والموسيقار إياد الريماوي، والفنان مطرف المطرف، لتتكامل الصورة، ويغدو المهرجان احتفالًا شاملًا بالفن بكل أشكاله.

هي الرياض عين ترى الجمال بكل تفاصيله.