لم يطل الأمر بالشرق الأوسط كي يسرق الأضواء من الحدث الفنزويلي والكاريبي وغرينلاند. وإذ بالرئيس الأميركي دونالد ترامب يلوّح بضرب إيران في حال قتلت الحكومة المتظاهرين، ويوجّه ضربات جديدة لتنظيم "داعش" في البادية السورية، ويتدخل مبعوثه توم براك بقوة لوقف الاشتباكات بين "قسد" والحكومة السورية في حلب بتسوية لمصلحة دمشق وأنقرة. ترامب حيّد نيكولاس مادورو في عملية استغرقت ثلاث ساعات فقط، وأرغم نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز على القبول بـ"الإدارة" الأميركية لفنزويلا عن بُعد، في مقابل بقائها على رأس النظام وعدم استبدالها بزعيمة المعارضة كورينا ماتشادو أو بمرشحها الفائز في انتخابات 2024 إدموندو غونزاليس، الذي لم يبرح منفاه في إسبانيا حتى الآن. في لحظة ما، خشي ترامب أن تقود عملية إطاحة النظام بالكامل إلى فوضى من شأنها جعل الشركات النفطية الأميركية تتردد في الذهاب إلى فنزويلا، أو في أفضل الأحوال نشوء نموذج ليبي في الكاريبي، يتيح لروسيا والصين وإيران الاحتفاظ بموطئ قدم هناك. القبض على مادورو وعلى النفط وترك رودريغيز على رأس السلطة، تلاه تهديدات لكولومبيا وكوبا والمكسيك، وإعلان لترامب بأن أميركا ستوجّه ضربات لكارتلات المخدرات في البر، وعدم الاكتفاء بضرب القوارب المشتبه فيها في الكاريبي وشرق المحيط الهادئ. غاية هذا التهديد القول إن فنزويلا ليست سوى مجرد بداية. في غرينلاند، يرفع ترامب شعار الحفاظ على الأمن القومي الأميركي، في مواجهة ما يصفه بمساعي الصين وروسيا لترسيخ نفوذهما في القطب الشمالي، والاقتراب من الجزيرة الدنماركية الزاخرة بموقع استراتيجي وبثروات طبيعية هائلة، تفوق قدرة الدنمارك على استغلالها أو القيام بدور التصدّي لخصوم أميركا. وقد أعطى ترامب الأوامر للجيش الأميركي في الأيام الأخيرة بالاستعداد لاحتلال الجزيرة، في حال أخفقت آخر المحاولات لإقناع الدنمارك ببيعها بالتراضي. ولم تحل تطورات الكاريبي ولا غرينلاند دون متابعة ترامب الأحداث التي يمر بها الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الاحتجاجات المندلعة في إيران منذ 28 كانون الأول/ديسمبر الماضي. وعلى نحو يومي، يطلق الرئيس الأميركي التهديدات بتدخل عسكري في حال واصلت السلطات الإيرانية استخدام القوة لقمع المتظاهرين. متظاهر يحمل علم إيران ما قبل عام 1979 بعد أن قام بإنزال علم البلاد الحالي من شرفة السفارة الإيرانية في لندن. (أ ف ب) وقوبلت تهديدات ترامب برد قوي من النظام في إيران، وبتحذيرات من رد قد يطال القواعد الأميركية في المنطقة وإسرائيل. والسؤال الأكثر إلحاحاً: هل التدخل العسكري الأميركي في إيران يساعد المحتجين، أم من الممكن أن يقود إلى فوضى، وإلى تشديد القبضة الحديدية للنظام في مواجهة المتظاهرين؟ يتعيّن التوقف عند إعلان الجيش الإيراني السبت، للمرة الأولى منذ بدء الاحتجاجات، عن "الجاهزية" لدعم قوات الأمن في مكافحة "أعمال الشغب". ماذا يعني ذلك؟ الأرجح أن الحكومة الإيرانية تقول إن التصعيد من الخارج، وتحديداً من جانب أميركا وإسرائيل، سيقابَل برد إيراني. في ذروة التوتر، يحضر وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي إلى طهران، في زيارة ترتدي أهمية بالغة في التوقيت. ومسقط التي اعتادت الاضطلاع بدور الوسيط بين إيران وأميركا، ربما نقلت رسالة أميركية أو أنها تستشعر خطورة دفعتها إلى التحرك لفتح ثغرة ديبلوماسية تقي المنطقة زلزالاً آخر. ترامب الذي طلب من مساعديه ومن الجيش تحديد الأهداف التي يجب ضربها في إيران، وجّه رسالة توحي بالجدية عندما قصف مواقع لـ"داعش" في البادية السورية، في سياق عملية "عين الصقر" التي نفذتها القوات الأميركية في كانون الأول/ديسمبر الماضي رداً على هجوم في تدمر نُسب إلى "داعش". وليس بالضرورة أن يكون قصف البادية رسالة موجهة إلى إيران، بل إن المقصود منها لفت نظر الحكومة السورية و"قسد" اللتين تتقاتلان في حلب، إلى أن جهودهما يتعيّن أن تتوجّه إلى الخطر المشترك المتمثل في "داعش". وفي نهاية المطاف، فإن تعميم التجربة الفنزويلية على الشرق الأوسط له من المحاذير والمخاطر ما يفوق كثيراً ما جرى في الكاريبي.
- آخر تحديث :















التعليقات