سارة النومس

أدّى عُطْلٌ في إحدى الطائرات إلى إثارةِ ذُعْرِ الرُّكّاب وهي في الجوّ، ما بين صراخِ النساءِ والأطفال واضطرابِ الرجال. أمسك أحدهم بيد صاحبه مذعوراً، وقال: يجب أن أُعيد أموالَ شقيقي لأبنائه قبل أن أموت. فردّ صاحبه: «مَن سيَعلم؟ كلّنا سنموت إذا تحطّمت الطائرة. وبعد لحظات، استطاع قبطانُ الطائرة أن يُعيد السيطرة عليها، وزال الخطر. وما إن وصلوا إلى الأرض، قال الرجل الآخر لصاحبه: ما قصةُ ورثِ أبناء شقيقك؟ فردّ مذهولاً: لا بدّ وأنك تهلوس».

لا أعلم عن صحّة القصة، والأخذُ بالعِبرة أهمّ من القصة نفسها. فكم من أشخاص سردوا أسراراً لا تُسِرّ في اللحظات الأخيرة من حياتهم. ما الذي يدفع الإنسان إلى الاعتراف قبل موته؟ هل كان ضميرُه يناديه بالاعتراف من قبل؟ وإن كانت الإجابة نعم، وكان قد قاومه، فذلك لا علاقة له بالعُقَد النفسية، بل به شخصيّاً. أناس طبيعيون وبكامل قواهم العقلية أخفوا أموراً عديدة كانت ستُشكّل نفعاً لأناسٍ آخرين، وربما شرّاً... لا أعلم.

يُذكّرني هذا الموقف بمسلسل «على الدنيا السلام» الذي تابعته في طفولتي، وكنت أضحك على الكوميديا السوداء، لم أكن أعلم بتعاسة القصة. وعندما عدتُ لمتابعته بعد أن كبرت، رأيتُ حجم المشكلة التي عانت منها الشقيقتان على يد عمّهما واستيلائه على أموالهما، بل الأمرُ أدهى من ذلك حين أودعهما في مستشفى الأمراض النفسية. ومواقفُ العم، التي جسّدها الفنان علي المفيدي (رحمه الله)، كانت تتأرجح ما بين شرّه تارة، وتارة أخرى يطلب منهما السماح والغفران.

المثلان السابقان، عن أشخاصٍ تربطهم صلة القرابة، ولكن ماذا عن الناس الذين لا يعرفون بعضهم بعضاً ويقع الظلم على أحدهم؟ قال لي أحدهم: لقد ظلمني مديري السابق ودعوتُ عليه. فأجبته منتظرة ما حدث. فقال وهو يضحك: لقد مرض ومات!

صُدمتُ من الإجابة. أعرف أن الموت حقّ علينا وأنه قدرٌ مكتوب، لكنني فكّرت بيني وبين نفسي: هل ندم على ما قام به؟ كيف ستكون المواجهة بين الطرفين يوم الحساب؟ وهل سيسامحه الأول؟

لايزال كثير من الناس، رغم تقدّمهم في العمر وبلوغهم مرحلة الأبوة والجدّية، يتذكّرون أساتذة تركوا أثراً في طفولتهم ومؤلماً في حياتهم. بعضُ هؤلاء الأساتذة تقاعد أو مات، وآخرون نسوا ما فعلوا، بينما لاتزال أيادٍ مرفوعة إلى السماء تطلب العدل من الله.

تذكّرتُ أيّام دراستي في الجامعة. دكتور يكره تخصّص «الجيولوجيا»، وكان يسخر من الجيولوجيين. تذكّرتُ العلامات السيئة التي أخذتُها أنا وزميلاتي وزملائي بسبب تخصّصنا المنبوذ، كان ذلك آخر فصلٍ دراسيٍّ له قبل تقاعده وعودته إلى وطنه. غضبت إحدى الزميلات منه وقالت: «حسبنا الله ونِعم الوكيل فيك إلى يوم الدين». مازلت أذكر نظرات الرعب في عينيه وهو يقول: هل تدعين عليّ؟. كان هذا الموقف قبل ستة عشر عاماً، قابلتُ تلك الزميلة قبل أيام، وسألتها: هل تذكرينه؟ أجابت: مازلتُ أدعو عليه. سأختم المقال بقول رسولنا الكريم ﷺ في حديثه الشريف ((اتَّقِ دعوةَ المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب)). رواه البخاري ومسلم.