تعبّر الحالة التقنية عبر تاريخها عن حيويّتها من جهة، وعن تحديها للإنسان من جهة أخرى، إذ انصاعت التقنية للإنسان وأفادتْه، ولو بقي أسيراً لها لأضرّته وأهلكتْه.
المعيار في ذلك التجربة، فمنذ الثورتين الصناعيتين واكتشاف الكهرباء والتلغراف وليس انتهاءً بالثورة الرقمية التي بلغت ذروتها مع شيوع «الإنترنت» وحالياً الذكاء الاصطناعي، بقي الإنسان مستفيداً من هذه النقلات بشكلٍ متميز؛ إذ ساعدت الحكومات على صياغة نمطٍ عمليّ يرتكز على أمرين:
أولهما: سرعة تنفيذ الأعمال مع الحفاظ على قوّة الموظف وتبويبه للتقنية التي يستعملها مما ينعكس إيجابياً على الأداء العملي وعلى مصلحة المستفيد بشكلٍ أوّلي وهذا هو الأهم وهو لبّ الطموح.
ثانيهما: أن العمل الحكومي لم يتخوّف من ثورة الذكاء الاصطناعي الحاليّة، إنما استطاع أن يتحكّم بها ويصهرها ضمن المصلحة العامة. لقد أثبتت تجارب البشرية مع التقنية أن نمط رفضها باء بالفشل، وما نجح إلا أسلوب التكيّف والتعامل المؤسسي معها ضمن المصلحة العامة.
قبل أيام كتب الأستاذ بدر الخريف بهذه الجريدة مادةً مهمةً بعنوان: «عهد الملك سلمان والتحول الرقمي: من بناء الدولة الرقمية إلى السيادة في الذكاء الاصطناعي - السعودية تتحول من مستهلك للتقنية إلى منتج ومصدّر لها».
من أبرز ما كتبه الزميل بدر أن السعودية «وفي سياق ترسيخ البنية التحتية للذكاء الاصطناعي جاء إعلان الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) مطلع عام 2026 عن إطلاق وتشغيل مركز البيانات (هيكساجون) بوصفه أحد أكبر مراكز البيانات في المنطقة، وأكبر مركز بيانات حكومي في العالم، ليؤكد انتقال المملكة من مرحلة تبنّي التقنية إلى مرحلة امتلاكها وتوطينها».
يضيف: «ولتنفيذ أهداف (رؤية 2030)، أُعيدت هيكلة الدولة عبر إنشاء مؤسسات جديدة تتمحور حول البيانات والذكاء الاصطناعي، في مقدمها، الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، وهي الركيزة المحورية؛ فهي جهة حكومية مستقلة تأسست بأمر ملكي في 30 أغسطس (آب) 2019 وترتبط مباشرةً برئيس الوزراء، إذ تتولى (سدايا) مسؤولية إدارة وتشغيل كل ما يتصل بالبيانات والذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة في المملكة، وتشرف على حماية البيانات الوطنية وتطوير الاستراتيجيات الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي».
نعم؛ أرى أن التعامل مع التقنية بطريقةٍ مؤسسيةٍ سهّلت على الناس سبل دنياهم. لقد اكتشف الإنسان التقنية ولم تكتشف التقنية الإنسان، بالتالي فإنها وسيلة أساسية لتهيئة الحيويّة الدنيوية واختصار الوقت وتسريع المعاملات وتجويد الإنتاج.
ثمة نظريّتان حول التقنية؛ الأولى: ترى أن التقنية حقيقة وبالتالي فإنها تتضمن آيديولوجيا وأفكاراً معيّنة، وهذه نظرية فاشلة ووُئدت في مهدها. حاول بعض الأصوليين بعثها متكئين على نظرياتٍ يسارية معادية للغرب بيد أن التجربة الإنسانية أثبتت عكس ذلك.
الثانية: أن التقنية وسيلةُ تفوّق بشري على الحالات الاعتيادية التي بوّب الإنسان نفسه فيها، وهذه أدق. الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر - وهو من أهم من بصّر بعلاقة التقنية بالإنسان - رأى في الجزء الثاني الذي خصص فيه فصلاً كاملاً عن التقنية ضمن مؤلفه «كتابات أساسية»، أن «انتماء التقنية إلى مجال الحقيقة يثير في البداية استغرابنا، وهذا يعود إلى أننا نكون - عادةً - مأخوذين بالتقنية إلى حد أننا لا نهتم إلا بما هو تقني، وما يهمنا عادة في التقنية هو منفعتها ومردوديتها، ووسائلها في الإنتاج وأساليبها في العمل والتنظيم، أما ماهيّة التقنية فلا نعبأ بها في العادة، إننا من شدة تعلقنا بالتقنية نُغفل السؤال عن ماهيّتها، والآن عندما تساءلنا عن ماهيّة التقنية وتابعنا التساؤل خطوةً خطوةً وصلنا إلى الأمر الذي أثار استغرابنا، وهو أن مجال ماهيّة التقنية هو الحقيقة».
الخلاصة؛ أن استثمار التقنية في تقوية الجودة الدنيوية جاء ضمن رؤيةٍ فاحصةٍ ودقيقة أساسها تجاوز العمل التقليدي في المعاملات الحكومية. لقد أثبتت التجربة البشرية خلال القرن الماضي أن الإنسان استفاد من الكشوفات التقنية وطوّرها ثم تطوّر معها. كل النذير الذي طرحه بعض المفكرين ضد التقنية لم يكن إلا إرجافاً.
من دون التقنية لم يكن للإنسان أن يسعد؛ لقد جاءت هذه الكشوفات المتميزة فجعلت البشرية في حال رفاهيةٍ لم يتوقعها على الإطلاق.
لقد أثبتت التجربة السعودية في إدارة التحوّل الرقمي أو بالتعامل العام أن التقنية لن تتفوّق على الإنسان، كما حذّر هيدغر، بل إن الإنسان هو الذي هيمن عليها، وهذا جزء من الحيويّة الدنيوية الصاعدة التي نعيشها الآن.

















التعليقات