: آخر تحديث

خواطر الوداع - عشقي لبعد نظر البدو في العصر الحديث 

إدوين سموأل 

مع اقتراب نهاية مهمتي كمتحدث إعلامي رسمي إقليمي باللغة العربية باسم الحكومة البريطانية، دبَّ في نفسي الحنين للقيام بزيارة إلى الربوع التي وُلد فيها عشقي للمنطقة كلها - مع البدو والبادية. 

فقد دأبت على مدى السنوات العشر الماضية على زيارة عائلة بدوية في وادي رَم والسفر معها أيضا، إذ كنت قد تعرّفت على أفرادها حين كنت طالباً أتعلم اللغة العربية. وأصبحت هذه العائلة بمثابة بوصلتي التي أهتدي بها في هذا الزمن الذي يشهد تطورات سريعة... وسيلة لاختبار أفكاري والإمعان والتمعن في النظرة البعيدة... نظرة البدو. 

شيخ العائلة تحديداً رجلٌ يهوى ويتقن إنشاد الأهازيج والأشعار. ورغم أنها أشعار يستعصي عليّ فهم كلماتها ومعانيها، إلا أن جمالها لا يخفى على من يتمتع بأذن تعشق الموسيقى والنّغم والقافية الشعرية. هكذا كنا نقضي الأمسية بعد أن نكون قد تحلقنا متربّعين لتناول وجبة العشاء، نغمس أيدينا في قصعة الثّريد المنقوع بالسّمن، فنأكل ونأكل حتى نشبع. وفي غمرة هذا الاندماج، نصغي كمن استولى عليهم سحر الساحر إلى قصص عمنا الشيخ الذي لا يبان في فمه سوى سن واحدة في فكّه الأسفل.  

وما أن تنتهي فقرة الشعر حتى يحتدم بين الضيوف النقاش. فنتناول سيرة الهاشميين وآل سعود وبن حثلين والحويطات وبني تميم – وجميعهم تربطهم علاقات مع بريطانيا.    

نتذكّر رحلاتنا في الصحراء، حين كنا نغطّ في النوم في العراء لنستيقظ وقد تكلّلت أنوفنا بالصقيع، ونأكل الجراد الذي نقنصه وهو يطير حولنا ثم نرميه في النار لنشويه. بالنسبة لأوروبي لم يتذوق طعم الجراد من قبل، أقول إن طعمه مع رشّة من الفلفل يشبه طعم الربيان. سألت حفيد أخ الشيخ، البالغ من العمر خمسة عشر عاما، إن كان قد جرَّب أكل الجراد من قبل... عبَسَ وكشَّر وقال إنه جرَّب شطائر ماكدونالد في العقبة! 

يحلو لي زيارة هذه العائلة حين أستطيع ذلك.. ليس لمجرد رؤية الأصدقاء وحسب، بل كي أتأمّل في نظرة أولئك الذين يتمتعون ببُعد نظر سرمديّ حيال المنطقة وأحوال الأمم والكوْن. من الممكن أن يشمل الحديث سيرة إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (عليهم السلام)، وبوذا والملك حسين ومارك زكربيرغ، الواحد تلو الآخر وكأن أي واحد من هؤلاء قد يدخل علينا الخيمة في أية لحظة. وحين يدور الحديث عن أحوال الدول والإنسانية، حيث التغيير هو العُرْف وأسرع من أي وقت مضى، وحيث يتفاقم الاقتتال وتتراكم المعاناة، تصبح قيمة النظرة الثاقبة هي العامل الأهم. 

هذه هي زيارتي الأخيرة لأصدقائي البدو بصفتي متحدثا إعلاميا باللغة العربية باسم الحكومة البريطانية، وهو منصب أخذني إلى أماكن مثيرة للاهتمام، ووضعني في دائرة الأضواء، وأحيانًا أدخلني في المشاكل على مدار أربع سنوات. مكثت مع البدو طمعاً في صقل قدرتي على المشاركة في الحديث، حيث كنت أفهم كلمة واحدةً من بين كل خمس كلمات (الآن ارتفعت النسبة فأصبحت أفهم كلمةً من بين كل ثلاث، حتى بعد اختلاطي بهم على مدى أربع سنوات ومشاركتي في المجالس والقيل والقال.. "الحش"). 

أسألهم عن المنطقة وبريطانيا. فيهزّون رؤوسهم ويتساءلون كيف يمكن لأبناء عمومتهم في الخليج أن يتخاصموا، ولماذا ما زال العرب يتطلعون إلى الأجانب كي يحلّوا لهم مشاكلهم. وأنا بدوري أشرح لهم معضلة بريطانيا الوجوديّة والبديهية المتمثلة في الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكزيت) والتي يلفظها الشيخ: بركفاست (فطور) – يتبادر إلى خاطري بأن كلمة "بريكزيت" ليست فقط شبيهة بكلمة "بريكفاست" التي تعني الفطور، بل هي أيضا شبيهة بما نسميه بالإنجليزية "فطور الكلب" (وهي عبارة تعني التلبّك والحيرة) أو ما يسمونه في نجد "الحوسة".   

وأقول للحضور إننا نحن البريطانيين، رغم أن الصواب لا يحالفنا دائما فيما نفعل، إلا أننا نثمِّنُ علاقاتنا بالبدو. وأقول لهم أيضا إن كل الدول والشعوب تمرّ بفترات انتقال حين تحتاج إلى اختيار درب جديد. وأن مسرحية "البريكزيت" التي يشاهدونها من بعيد (وهم بالمناسبة يعرفون عنها الكثير من خلال الفيسبوك) هي تعبير عن الطريقة البريطانية في مواجهة التغيير بأسلوب ديموقراطي، وهي تبدو فوضوية أحيانا ولكنها أيضا تنفيس للمشاعر... كما أن فيها تنشيطاً لكل عصبٍ في مجتمعنا وحكومتنا وبرلماننا، إلى جانب تعزيز صداقاتنا القديمة كتلك القائمة مع الأردن والخليج. يبدو الحضور مقتنعين، فتزخر أحاديثهم بعبارات الإعجاب والتعاطف مع رئيسة الوزراء "المسكينة" تيريزا ماي. ثم يلتفت إليّ الشيخ ويسألني إن كان هيرد ما زال وزير خارجيتنا، فأجيبه بأن وزير الخارجية الحالي هو الآخر يبدأ اسمه بحرف الهاء – وهو جيرمي هنت. ويضحك الجميع من أعماق قلوبهم حين يصيح أحدهم قائلاً "أنتم البريطانيون عفاريت، وسوف تربحون كما فعلتم دائما. الله يخليكم دائما إلى جانبنا". استمدوا الأمل من زيارة الأمير ويليام إلى المنطقة، ويتمنون استضافته في زياراته القادمة. 

ثم يسألونني عما ستفعله بريطانيا إزاء الوضع المتفاقم أمنياً واقتصادياً. فأجيبهم بأننا نؤيد مشاريع التحديث، كالتي تجري في السعودية والإمارات والأردن والكويت، والرؤى التي تدعم تلك المشاريع. وأننا ندعم الأردن ولبنان في استضافة اللاجئين، ونقوم بما يتوجب علينا في الأمم المتحدة لحل الصراع ومكافحة الإرهاب. وحين أقول إن الحل يكمن في التحديث والتجارة فإنهم يوافقونني الرأي. وأخبرهم بأن المملكة المتحدة بلد عملي، وأدعوهم إلى تقييمنا من خلال أفعالنا وليس أقوالنا. كما تلعب المملكة المتحدة دوراً أساسيا في تسوية الصراع في اليمن، ومستمرة في القتال ضد داعش، وتعمل من أجل ترسيخ بقاء إيران بلدا يخلو من الأسلحة النووية، ومن أجل قيام دولة فلسطينية، وسوف تستضيف أول مؤتمر استثمار أردني هذا العام في لندن.  

وما أن يراودنا النعاس، ونطرح فراشنا داخل الخيمة، وأتلفّع "الفروة" جيداً حتى لا تدع للريح الباردة منفذاً إلى جسمي، نتأمل في إمكانية استدامة طريقة حياة البدو في مواجهة الحداثة. الشيخ لا يرى أن هناك تعارضا في الأمر - إذ أن عنده صفحتيْن على الفيسبوك، رغم أنه أمّيّ، كما أن ابن أخيه يستخدم الآيباد في المدرسة قبل أن يخرج باحثاً عن الحطب اللازم لموقد النار ليلاً. قد تبدو الحياة سهلة في البادية، ولكنها ليست كذلك في الواقع. حيث يتحدث اثنان من مجموعتنا عن الإصابة بمرض السّكري والنوبات القلبية بين سكان مضارب البدو نتيجة للحياة الحديثة وتغيّر أنواع الغذاء. 

اعتدنا نحن البريطانيين أن نضفي خيالا رومنسيا على حياة البادية. صحيح أنها بسيطة ونبيلة ولكنها شاقّة - حشرات وحرّ وبرد وعدم توفر المرافق العامة. ولكن، مع ذلك، تتسم بقدر كبير من الدفء والدعابة والاحترام لملء أي فراغ في الحياة. يستذكر المجتمعون حول النار لالتماس الدفء دوتي، وإبن لندن، وفيلبي، وغلوب باشا، وديكسون، وشيكسبير، ولورنس. وذكّرتهم بالتزامنا بالمساواة بين الجنسين، وبأن واحداً من أعظم أبطالنا كانت امرأة... غيرترود بِل - وتاريخها في العراق ومع قبائل شمَّر، فكان ردهم وابل من عبارات الإطراء على الملكة إليزابيث ومارغريت ثاتشر. وأذكِّرهم بأن هذا الشهر يصادف الذكرى السنوية المئة والعشرين للعلاقات بين بريطانيا والكويت، وهي العلاقة التي بدأت بتأسيس مكتب بريد ثم بدعم الكويت أثناء الحصار والاحتلال. 

لم يكن من السّهل عليّ أن أشرح لهم صعوبة خلق التوازن بين التقاليد والحداثة في عصر العوْلمة هذا، فاكتفيت بالقول إن المزارعين وصيادي الأسماك البريطانيين يواجهون نفس التحديات في مجال التوازن في الحفاظ على البيئة والمحافظة في الوقت ذاته على أساليب العيش في مواجهة الحداثة.  

هنا يسكت الجميع ويُطبِق الصمت، ليصبح صوت الصحراء هو الوحيد الذي يتردد في آذاننا بينما نغفو قابعين تحت أغطيتنا لاتقاء شدّة البرد داخل الخيمة بعد أن خمدت النار. ينكسر جدار الصمت من جديد بكلام الشيخ الذي لم يعد في فمه أسنان حين نادى يقول: "يا عوده" (وهو الاسم البدوي الذي يسميني به) "كلنا بنو آدم، وكان البدو هنا في البداية وسوف نظل هنا في النهاية. الحمد لله". 

الواقع أن هناك شيئاً سرمدياً في بعد نظر البدو هذا، والذي يمكن لنا أن نتعلم منه. هذا ما تأملت به حين أفقت من النوم فجرا على رائحة الهال في القهوة وهي تغلي على الموقد، وتهجُّد الشيخ وهو يصلي صلاة الفجر بالطريقة ذاتها التي لا أخالها تغيّرت (عدا ذاك القنديل) منذ زمن الرسول محمد. 

الحقيقة السّارة هي أن حكايات البدو لا تنضب وأحاديثهم لا تتوقف، وطالما ظلت بريطانيا جزءا من الحديث فلا بدّ أن يكون الجميع سعداء. وأمنيتي في لحظات الوداع هذه هي أن يصبح ما أحاطني به البدو من إنسانية ومحبة غامرة وحسن ضيافة كأجنبي في لقاءاتي معهم في أنحاء المنطقة عاملا حافزا ومثالا يُحتذى من جانب كل العرب في تعاملهم مع بعضهم البعض للتغلب على الانقسامات الدينية والعرقية والمذهبية فيما بينهم.  

حين حانت لحظة مغادرتي مع صديقي وسائقي عدنان (وهو شمري)، ذرفنا دمعةً، ولكننا كنا نتطلّع إلى الاستحمام بماء دافئ. حياة البادية ليست سهلة وقد لا تحلو للجميع. ومع ذلك، فإن عشقي لثقافة البدو شكّلت عاملاً حاسماً في عملي كمتحدث رسمي - وعندما أتحدث من خلال شاشات التلفزة، أتخيل نفسي أتحدث إلى بدو يتسامرون في خيمة، وذلك يمدّني بالقوة. ستظل تلك علاقة أبَديّة إن شاء الله.    

 

* إدوين سموأل، المتحدث باسم الحكومة البريطانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 3
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. خواطر جميلة جدا
فول على طول - GMT السبت 19 يناير 2019 15:49
السيد الكاتب وبأسوب القصص أخذنا بعيدا عن السياسة وعن الحوادث وعن الارهاب مما أعطانا فرصة للتنفس بهدوء بعيدا عن نشرات الأخبار اليومية والتى تحفل بالماسي . شكرا سيدى الكاتب على هذا . جميل جدا أن تحمل ذكريات طيبة مع البعض من البشر فهذا نادر الحدوث الان واتفق معك أن العيش فى الصحراء بعيدا عن العمران وعن الصخب - مثل حياة الرهبان - تملأ النفس هدوء وسكينة . لقد جربت أنا بنفسى العيش فى الصحراء وكانت لمدة 3 سنوات تقريبا وكانت من أمتع أيام حياتى بالرغم ما بها من شظف العيش وقسوة المناخ . أتمنى العودة لهذة الحياة ولو بضع أسابيع ولكن التمنى شئ صعب أحيانا . تحياتى .
3. الى رقم 2
فول على طول - GMT الثلاثاء 22 يناير 2019 13:58
أنتم لا تحتاجون الى جواسيس من الخارج ..جواسيسكم منكم فيكم وهذا تاريخ معروف . أما ايران فهم أخوتكم فى الدين ويحكمون بالشريعة وأتعجب أنكم ترفضونها . وكما قال مرشدكم الأعلى : يحكمنى مسلم ماليزى وها أنتم يحكمكم مسلم ايرانى ..لماذا الشكوى ؟ ربنا يشفيكم .


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في رأي