قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

خلال العقود الثلاثة الأخيرة، حاول ويحاول قادة الحركات الأصولية في بلدان المغرب العربي اظهار أنفسهم للناس، وخصوصا للأجيال الشابة التي تعاني من ضبابية في الرؤية على المستوى التاريخي، أنهم يمثلون المراجع الدينية الأساسية التي تتوجب العودة إليها في كل آن وفي كل حين للنظر في قضايا الدين والدنيا. بل قد يعلنون أن المراجع التي سبقتهم خاطئة ومزورة ل" تعاليم الإسلام الحنيفة"، وأن بلدان المغرب العربي لم تكن تمتلك قبلهم مرجعيات دينية جديرة بالاهتمام والتقدير.  وهم غالبا ما يعتمدون في ذلك على الخطب الدينية في المساجد، وعلى الفتاوي، والدروس الشفوية. أما النصوص النظرية فقليلة. والذي يتفحص جيدا هذه النصوص، لا يلبث أن يكتشف أنها ليست دينية بالمفهوم الحقيقي للكلمة، وإنما هي أيديولوجية،  فيها يستعمل الدين استعمالا مجحفا ومغرضا لإخفاء نوايا مبيّتة، وتمرير أفكار تنزع إلى التطرف والمغالاة، وتبيح لأصحابها لا " خدمة الإسلام والمسلمين" كما هم يزعمون، وإنما ممارسة الغش الخداع للوصول إلى السلطة، وإرساء أنظمة ثيوقراطية تبطش بالشعوب ، وتفسد حياة الناس ليكونوا مجرد قطيع مطيع. وليس هذا بالأمر الغريب على الجماعات الأصولية التي عرفت منذ نشأتها بالتحجر والانغلاق، واحترفت المتاجرة بالدين خدمة لأغراضها الخاصة. لذلك هي توحي لمن لا يجهل مخططاتها وأهدافها أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وأن كل ما سبقها من المرجعيات الدينية، أو خالفها في أطروحاتها،  في ضلال مبين. واعتمادا على كل هذا،  تسمح هذه الحركات لنفسها بإصدار فتاوي التكفير و"الجهاد المقدس"، واباحة اشعال الفتن  القاتلة، وقتل المثقفين، وحرق الكتب، وترهيب من يجرؤون على رفع أصواتهم لمعارضتها، وفضح مؤامراتها الدنيئة. 

والأمر الخطير أن هذه الأكاذيب انطلت على قسم كبير من الناس، وتحديا أولئك الذين يجهلون التاريخ. أما الملمون به، والعارفون بأسراره وخفاياه، فيعلمون جيدا أن البلدان المغاربية تمتلك مرجعيات دينية مهمة أرسى معالمها رجال دين لعبوا أدورا أساسية في مراحل مختلفة لترشيد المشطين سواء في آرائهم أم في أفعالهم، محرضين على الوفاق بين المسلمين، وعلى حثهم على التضامن في أوقات الشدة واليأس. وجل هؤلاء تخرجوا من جامعات دينية مرموقة مثل جامعة" القرويين" بمدينة فاس المغربية، أو من جامع الزيتونة بالعاصمة التونسية، أو من مدارس قرآنية في كل من موريتانيا والجزائر وليبيا. ومن بين هؤلاء يمكن أن نذكر  الشيخ عبد القادر الجزائري  الذي قاد أولى المعارك المناهضة للاستعمار الفرنسي، والأستاذ علال الفاسي مؤسس حزب الاستقال المغربي، ومصالي الحاج ، وعبد الحميد بن باديس اللذين كان لهما الفضل الكبير في الحفاظ على الهوية الجزائرية التي كان الاستعمار الفرنسي يعمل على محوها من الوجود.  كما يمكن أن نذكر العديد من الشيوخ الذين أشعلوا نيران المقاومة الوطنية في ليبيا ضد الاستعمار الايطالي مثل الشيخ المجاهد عمر المختار.

وقد تميّزت تونس منذ العهد الأغلبي (القرن الثامن ميلادي) بمراجع  دينية تسعى الحركات الأصولية بجميع روافدها راهنا إلى محوها وتقويضها.  فخلال القرن التاسع عشر، برز شيوخ أجلاء قاوموا مختلف مظاهر التطرف والانغلاق، وناصروا دعاوي الانفتاح والتحرر من قيود وظلمات عصور الانحطاط والتخلف.  وكان الشيخ الجليل إبراهيم الرياحي من أبرز هؤلاء. إليه يعود الفضل في توثيق الصلات بين تونس والمغرب، وبين تونس والمشرق العربي خصوصا خلال الفترة التي درّسَ فيها علوم الدين في جامع الأزهر الشريف. كما يعود إليه الفضل في مناصرة الاجراءات الإصلاحية التي سنّها المشير أحمد باي، والقاضية بتأسيس مدرسة باردو. ومن هذه المدرسة تخرج أول فوج من النخبة التونسية التي تزعمها المصلح الكبير خير الدين باشا التونسي صاحب كتاب "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك". وعلينا أن نشير إلى أن كبار شيوخ جامع الزيتونة أمثال محمود قابادو، ومحمد السنوسي، ومحمد بيرم الخامس، وسالم بوحاجب، كانوا أول من ناصر حركة خير الدين التحديثية والاصلاحية. كما أنهم عملوا على نشر أفكار التنوير القادمة من الغرب الاوروبي، وعملوا على تطبيقها في الواقع الملموس.  وبشجاعة قاوموا كل مظاهر الجمود الفكري والعقائدي التي كانت سائدة في عصرهم، باحثين في القرآن والسنة على كل ما يمكن أن يحفزهم على المضيّ قدما في اجتهاداتهم بخصوص الدنيا والدين.  ولدعم حركة الإصلاح والتحديث، لم يتردد هؤلاء الشيوخ في تقلد مناصب سياسية وإدارية رفيعة. فكانوا وكلاء بإدارة الأوقاف، وقضاة بالمحكمة العقارية، ومسؤولين في ديوان التعليم العمومي، وكتّابا في الوزارات، ومشرفين على مكتبات، وعلى مطابع، ومشاركين في اعداد برامج ومناهج تعليمية. ولا ننسى أن هؤلاء الشيوخ هم  الذين ساعدوا  خير الدين على انشاء مدرسة" الصادقية" التي كانت أول مدرسة تبيح تعليم العلوم الحديثة، واللغات الأجنبية.  وردا على المتزمتين  الذين عارضوهم في ذلك، بادروا بإدخال أبنائهم إلى المدرسة المذكورة التي سيتخرج منها فيما بعد كبار الزعماء الوطنيين الذين قاوموا الاستعمار الفرنسي. كما أن هؤلاء الشيوخ عملوا على اصلاح التعليم في جامع الزيتونة بعد أن أدركوا أن نهضة المجتمع التونسي لا يمكن أن تقوم على الانغلاق والتحجر، بل على الانفتاح على حضارة العصر الحديث بكل ما فيها من صناعة وعلوم وآداب وفنون وقوانين ودساتير وغير ذلك.

وكان للشيوخ المصلحين الذين ذكرت "ورثة"،  وأنصار في القرن العشرين. أشهر هؤلاء الشيخان الطاهر بن عاشور، وابنه الفاضل بن عاشور. الأول كان من دعاة تعليم المرأة التونسية والحاقها بالمدارس. وكان من المرحبين بالشيخ المصلح محمد عبده خلال زيارته الثانية إلى تونس عام 1903. وفي بيته بضاحية المرسى، دارت مناقشات بين الشيخ المصري، وبين شيوخ جامع الزيتونة حول الاجتهاد الديني، وحول ضرورة الانفتاح على حضارة العصر. كما قام الشيخ الطاهر بن عاشور بتفسير القرآن في خمسة وعشرين مجلدا. ولم تمنعه مهابته الدينية من تفسير ديوان الشاعر بشار بن برد الذي قتل ضربا بالسوط بعد ان اتهم بالإلحاد والزندقة. أما ابنه الفاضل بن عاشور فقد ناصر الحركة الإصلاحية والتحديثية التي شهدتها تونس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر من خلال كتابه الشهير "الحركة الفكرية والثقافية في تونس". كما أنه تحمس للنضال الوطني والنقابي، وساند الزعيم بورقيبة في اجراءاته الإصلاحية بخصوص تحرر المرأة، وتعميم التعليم في جميع أنحاء البلاد. وبحضوره، وحضور د. طه حسين، قام الزعيم بورقيبة بإزالة الحجاب عن طالبة، معلنا عن فتح مرحلة جديدة في حياة المرأة التونسية... لذلك ليس من الغريب أن يتنكر اليوم  قادة الحركات الأصولية  في تونس، وفي بقية بلدان المغرب العربي للمرجعيات الدينية المناصرة للإصلاح والانفتاح، وأن يسعوا إلى محوها من الذاكرة ومن الوجود، لأنها تفضح تزييفهم  للتاريخ، ومخططاتهم التي تهدف إلى اغراق المجتمعات المغاربية  مجددا في ظلمات عصور الانغلاق والتزمت والتطرف الأعمى.