قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كثيرة هي المنظمات المعنية بالعمل الإنساني في منطقة الأوسط ، فقد أدت الحروب والنزعات المسلّحة إلى وضع المجتمع الدولي أمام الكثير من التحديّات خصوصًا على المستوى الإنساني، إذ لم يَعد بوسع الدول تجاهل حجم الدمار الهائل أو حجم المعاناة الإنسانية التي ترزح تحت وطأتها الشعوب المنكوبة ، فالنتائج الكارثية اتسعت خصوصًا في ظل التنامي المتسارع لكافة أنماط التبادلات الدولية سواء على الصعيد الإقتصادي المادي أو على الصعيدين الفكري والثقافي .

والمراقب اليوم يجد أن حالات التدخل الإغاثي في الدول التي شهدت صراعات مسلحة خلال السنوات الماضية شمل دول كثيرة كاليمن وسوريا وليبيا وغيرها ، و قد تضاعفت هذه الجهود وباتت تؤدي دورًا محوريًّا مباشِرًا في عملية إدارة الصراعات من جهة وإدارة الأزمات المترتبة عليها من جهة أخرى .

وقد تنوعت أنماط التدخل تلك غير أننا نسجل عدة ملاحظات منها :

  • تتفق جميع منظمات العمل الإنساني من حيث المبدأ على أن نشاطها قائم على مبدأ الإنسانية ويحركه الدافع الاخلاقي ، كما تتفق على مبدأ عدم التمييز بين المحتاجين لهذا التدخل ؛ إذ يجب عدم النظر إلى جنسهم أو لونهم أو دينهم. لكن على أرض الواقع فإن عمليات المساعدة والإغاثة غالبًا ما تخضع لأجندات سياسية، فالمساهمات الديبلوماسية وعمليات الإعانة تُشكل ورقة ضغط وتتلازم مع الأهداف السياسية المعلن منها وغير المعلن للدول المانحة والداعمة . ولعل ذلك يبدو واضحًا في سوريا حيث تخضع المساعدات للمساومات على طاولة المباحثات ين أطراف النزاع من خلال تقاسم الحصص بين الدول الإقليمية المتفاوضة والمتورطة في الحرب في آن معًا .
  • كما نرصد "عدم اكتراث" دولي فعلي حيال العنف، من خلال غض النظر عن الكثير من الجرائم التي توصف على أنها جرائم حرب، حيث باتت كثير من دول الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال تتعاطى مع الملفات الإنسانية لمنطقة الشرق الأوسط من زاوية انعكاسات ذلك عليها مباشرة لحل مشكلة تدفق اللاجئين إلى أرضها ، وليس من زاوية الإدارة الفاعلة والعمل السياسي الدؤوب لوقف الحروب والعمل على تقديم مجرمي الحروب إلى العدالة الدولية .
  • غياب "الوصاية الدولية " عقب الهدنة في سوريا ، فغالبًا ما دأبت الأمم المتحدة بتأمين "حماية" للمدنيين عقب النزاعات المسلحة عبر نشر قوات حفظ السلام "القبعات الزرق " كما حدث في الكثير من دول العالم . لكن في سوريا لا يوجد حتى الآن ضامن دولي "محايد" لحماية المدنيين عقب أي هدنة معلنة .

الإشكالية المعقدة حيث تكمن في الجدلية القائمة بضرورة الحياد التام من جهة و الضغوطات السياسية التي تمارسها الأطراف المحلية والدولية من جهة أخرى، مما يفاقم معاناة النازحين المتضررين ، كون الاعانات لا تتم إلا عبر موافقة الأطراف السياسية ، وهذ ما جعل المنكوبين ينظرون بكثير من الريبة والشك حيال عمل المؤسسات العاملة في الميدان الانساني، فالبعض يرى أنهم "مرتزقة" ينفذون مصالح دولهم .

وعلى الرغم من وجود منظمات إغاثة انسانية غير حكومية محايدة، إلا أن إداراتها تتعرض لضغوط هائلة من قبل أطراف النزاع في الداخل و رعاة الحرب من الدول المشاركة فيها بالخارج ، وذلك بهدف دفعها للإعلان عن موقفها حيال الأطراف المتحاربة . حيث عُرِض في أكثر من مناسبة على عدد من المنظمات الإنسانية مدّها بالأموال للانضمام الى أحد "الفرقاء" لأداء دور "إنساني ". مع العلم أن الناشط في المجال الإنساني ليس من شأنه أن يحكم على من هو المخطئ في الحرب ومن هو الضحية، فالمهم توصيل المساعدة لمن يحتاجها.

وهنا تبدو الإشكالية بالغة التعقيد بالتزام الحياد في الصراعات مع ما يتطلبه في الوقت عينه عدم السكوت عن المآسي و الخروقات الفاضحة لحقوق الإنسان، مما يُغضب أطراف النزاع والقوات المسيطرة .وبالتالي يعملون على عرقلة عملها.

لذلك فإن الناشطون في العمل الانساني يجدون أنفسهم مجبرين على الصمت حيال الانتهاكات التي يمارسها المقاتلون، لضمان استمرار دورهم الإنساني، محاولين الحياد ما أمكن وسط تعقيدات المشهد السياسي المصاحب لانتهاكات حقوق البشر التي تطلب موقف أخلاقي قبل كل شيء، لأن عملية الابلاغ عن ذلك سيؤدي إلى منع مزاولة نشاطهم الإغاثي .

أما مؤسسات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة فهي تواجه مصاعب جمة أكثر من أن تحصى ، فيما تسعى لتحويل المعضلات السياسية الى قضية لجمع الاموال والتبرعات بهدف الاعانة. وفي إطار إصلاح ذلك، تتعاون اليونيسف مع الأمم المتحدة والمنظمات ‏غير الحكومية وغيرها من الوكالات في إعداد وتطبيق عدد من مبادرات االتطوير في مجال ‏المساعدة و تحسين إمكانية التنبؤ بالاستجابة الإنسانية، إضافة إلى إعداد دليل مشترك ‏بين الوكالات بشأن المفاوضات مع كيانات من غير الدول في حالات الطوارئ.‏

أخيرا ، إن حقيقة العمل الانساني تكمن في استقلاليته عن اي تبعية سياسية وينبغي ان يُقَدّم دون اي مقابل، لا أن يكون ديْنًا يسدد على صورة تعويض عن ضرر او أذى تتسبب الإدارات السياسية للدول به . فالمعاناة أنهكت البشر بما يفوق التحمل ، بل والأدهى من ذلك كله وأمرّ عندما يتم الاتجار بالقضايا الانسانية لتحقيق مكتسبات سياسية! وربما الاغاثة الحقيقية تكون في وقف الحرب ومسبباتها بدلا من معالجة أثارها الدامية.

ويحضرني الآن موقفًا ما زال مطبوعًا في ذاكرة طفولتي إبان الاجتياح الاسرائيلي على لبنان عام 1982، أنه اثناء اجتياز امرأة عجوز لأحد المعابر وهي تحمل امتعتها على رأسها حاول أحد عمّال الإغاثة الأجانب مساعدتها ، نظرت إليه بعمق رافضة العون متنهدة قائلة : " أكبر مساعدة يمكن أن تقدمونها لنا هي أن توقفوا الحرب وأن يرحل الجميع عن أرضنا و يتركوننا وشأننا وينصرفوا !"