موسكو: بأي اتفاقات سيعود السياسيون اللبنانيون من قطر، حيث يجرون برعاية الجامعة العربية حوار وفاق؟ ينتظرون الجواب عن هذا السؤال ليس في لبنان فحسب، بل وفي الدول المجاورة. ذلك أن ثمن هذا السؤال استقرار المنطقة. ومع ذلك من الأهم فهم ما حدث في لبنان في الأسابيع الأخيرة.

فكانت وسائل الإعلام العالمية تنشر أخبار الأحداث اللبنانية التي تمخضت عن مصرع أكثر من 80 شخصا وجرح ما يقارب 200، تحت عناوين مثل quot;لبنان على شفا حرب أهليةquot;، وquot;أضرى الصدامات منذ الحرب الأهلية في الفترة 1975 ـ 1990quot;.

ويذكر سيناريو الأحداث الأخيرة بصيف عام 2006، عندما استولت حركة المقاومة الإسلامية quot;حماسquot; على السلطة في قطاع غزة. ففي مايو عام 2008 سيطرت حركة quot;حزب اللهquot; على بيروت خلال ساعات معدودة. ويعرض منطق وإجراءات الحركتين من جديد التزامن والتوافق بينهما، إلا أن الحركة اللبنانية أكثر توفيقا من الأشقاء الفلسطينيين، سواء في الحرب ضد إسرائيل أو في الصراع على الساحة السياسية الداخلية. ومهما كانت القرارات التي تتخذ في قطر، ومهما كان تطور الوضع في لبنان، فإن انتصار quot;حزب اللهquot; جلي.

فقد عرضت الحركة مرة أخرى فعاليتها، وبرهنت على أنها أصبحت قوة مؤثرة تحدد الوضع الداخلي في البلد وعلاقات بيروت مع الجيران إلى حد كبير. وبعد هذا يجدر بالآخرين، سواء خصوم quot;حزب اللهquot; داخل لبنان، أو خارجه، وبالمرتبة الأولى إسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا والمملكة السعودية، استخلاص الاستنتاجات. فيا ترى، ألم يحن الوقت للتسليم بهذه الحقيقة غير السارة للخصوم؟

ويعيش لبنان في حالة الأزمة السياسية منذ 3 سنوات عمليا. وبدأت باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في فبراير عام 2005، علما بأن الوضع كان قبل ذلك معقدا أيضا، إلا أنه لم يظهر احتمال الحرب الأهلية الجديدة إلا قبل 3 سنوات بالذات. وتعاقبت عمليات الاغتيال السياسي. وتفاقم الوضع في نوفمبر عام 2007، عندما انتهت صلاحيات رئيس الجمهورية السابق، ولم يتسن انتخاب رئيس جديد، وبقي البلد بدون رئيس. ولا يستطيع البرلمان اللبناني توفير النصاب القانوني لانتخاب رئيس جمهورية. وأجلت الجلسات البرلمانية من جراء ذلك للمرة التاسعة عشرة. ورغم الاتفاق على شخصية رئيس الجمهورية الجديد، لا تستطيع المعارضة والأغلبية البرلمانية التوصل إلى اتفاق على شروط التعايش السياسي، أي بشأن تركيبة الحكومة، وكذلك القواعد الجديدة للانتخابات البرلمانية.

وماذا كانت تتوخى الحكومة اللبنانية برئاسة فؤاد السنيورة، لدى اتخاذها في أوج الأزمة السياسية قرار اعتبار شبكة اتصالات quot;حزب اللهquot;، القوة المعارضة الأساسية في البلد، غير شرعية، وكذلك عزل رئيس جهاز أمن مطار العاصمة من منصبه بسبب علاقاته مع هذه الحركة؟ وكان هذا تحديا سافرا، لم يتركه quot;حزب اللهquot; دون رد، بعرضه كل إمكانياته.

بالطبع، لا يوجد أدنى شك في حق كل حكومة في احتكار شبكات الاتصال، وكذلك في البت في قضايا المسؤولين عن أمن البنى التحتية الوطنية. ولكن هذا في حالة شرعية الحكومة، أو ثقتها في قدرتها على قمع أي مقاومة داخل البلد. إلا أن الحكومة اللبنانية التي لا يعترف بها قسم ملموس من السكان بعد انسحاب ممثلي المعارضة منها، لا تتمتع لا بهذا ولا ذاك. لذا فإن الخطوات التي أقدم عليها السنيورة في ظل هذا الوضع ما هي إلا انتحار سياسي. وهذا باستثناء أنه لربما كان يعول على الدعم الخارجي أو كان يأمل أن quot;حزب اللهquot; لن يقدم على استخدام القوة ضد أبناء الوطن الآخرين، لأن ممثلي الحركة أكدوا مرارا أن سلاحهم موجه ضد الأعداء الخارجيين، وهو سلاح مقاومة.

وكل هذا يبدو ساذجا، وخاصة مراعاة للنتيجة ـ إذ تراجعت الحكومة عن كافة قراراتها، عارضة العجز، ومعززة بنفسها من حيث الجوهر مواقع quot;حزب اللهquot;. وقد تحصل المعارضة علاوة على ذلك في ختام حوار الوفاق في قطر على مكافأة إضافية. فإن النتيجة الأولى للحوار المتمثلة في تشكيل لجنة متعددة الأطراف لإعداد قانون انتخابات جديد، قد تمنح المعارضة امتيازات ملموسة خلال حملة الانتخابات البرلمانية القادمة. وعندئذ سيصل quot;حزب اللهquot; وحلفاؤه إلى السلطة بشكل قانوني.

ولكن هل سيروق هذا الخيار لإسرائيل والمملكة السعودية والولايات المتحدة وفرنسا، القوى الأساسية التي ترفض تنامي نفوذ quot;حزب اللهquot; في المنطقة والذي تعتبره هذه الدول بمثابة امتداد نفوذ سورية وإيران؟ وماذا تستطيع عرضه في مواجهة توزيع القوى الجلي في لبنان؟ هل مفاوضات إلى ما لا نهاية أو حرب بلا نهاية؟ أو عزل لبنان كما سبق أن عزل قطاع غزة؟

ومع ذلك فإن هذا الأسلوب الذي اثبت جدواه في عدد من البلدان، لم يتكلل بعد بالنجاح في حالة التسوية السلمية في الشرق الأوسط. وعلى ما يبدو فإن المنتصر في هذه الجولة، بغض النظر عن نتائج مفاوضات قطر، هو quot;حزب اللهquot;.

ماريا أباكوفا