قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بإعداد ورؤية جديدين للمؤلف البريطاني ديفيد هير تعرض حالياً مسرحية هنريك إبسن «سيّد البناّئين» على خشبة مسرح أولد ﭬك اللندني، يدير عملية الإخراج ماثيو واركوس وتلعب النجمة الإسترالية سارة سنوك دور الفتاة الشابة هيلدا إلى جانب الممثل النجم رالف فينيس الذي يلعب دور المعمار هارفالد سولنيس. أما الممثلة ليندا إيموند، القادمة من نيويورك والتي اشتهرت بأداء شخصيات آرثر ميللر وتوني كاشنر، فتلعب دور الزوجة ألين سولينس.

في إعداده الجديد للنص الإبسني يقول ديفيد هير:«كان إبسن يصّر على إنه إذا قدّر لمسرحياته أن تبقى على قيد الحياة بعد وفاته فإنها بحاجة إلى إعادة النظر باستمرار، سيما إذا ترجمت إلى لغات أخرى وأُريد لها أن تُقدّم على مسارح أجنبية. ليس هذا فحسب، إنما كان يعتقد أيضاً بأن ليس ثمة ترجمة واحدة فقط يمكنها أن تصبح النسخة الوحيدة والكافية التي يمكن أن تصلح لكل الأوقات».
إن الدافع وراء إعداد هذه المسرحية هو الممثل السينمائي رالف فينيس. يقول هير:( إنه رالف فينيس، زميلي الذي تخرج معي من "الميدا" في تسعينات القرن الماضي، هو من جاءني وطلب مني إعداد نسخة جديدة من «سيد البنائين» بسبب توقه الشديد لأن يلعب دور «هالفرد سولنيس»، الشخصية المركزية في المسرحية، لأن فينيس وصل من خلال شوطه الفني الطويل إلى مرحلة أصبح فيها لا ينتقي من النصوص إلا أصعبها وأعمقها أو تلك التي تضعه موضع تحدي).
***
مسرحية «سيد البنائين» هي ثمرة المنفى الاختياري الذي أمضاه الكاتب النرويجي هنريك إبسن في كل من إيطاليا وألمانيا مدة تقرب السبعة وعشرين عاماً. يلج إبسن في نصه هذا مدارات جديدة. فهو بمثابة بورتريه ذاتي رسمه إبسن لنفسه والذي تابعه لاحقاً بعملين مشابهين رائعين هما "جون غابريل بوركمان" و "حين نستيقظ نحن الموتى".
ثمة تماهيات عديدة بين مجريات حياة إبسن في سنواته الأخيرة وبين مسار حياة بطله المعمار هالفرد سولنيس، الشخصية الرئيسية في المسرحية. تماهيات يمكن أن تتجلى في نواح ٍعدة لعل أبرزها رهبة الشيخوخة وخشية قدوم جيل جديد يطرق على الأبواب. التماهي الآخر هو قساوة الشخصيتين ونرجسيتهما واستعدادهما للتضحية بسعادة أقرب الناس من أجل تحقيق نزعاتهما الذاتية. فزيجتيهما الخائبة، إبسن وبطله، لم يكن مبعثها الحب أو بناء الأسرة بقدر ما كان يمليها الواجب الذي تقتضيه معتقدات المجتمع
المحافظ آنذاك. أما العلاقة التي تنشأ بين الفتاة الشابة هيلدا وسولنيس الشيخ فتكاد تكون المرآة التي تعكس العلاقة التي نشأت بين المؤلف والفتاة الفينيسية إيميلي بارداتش التي كان التقاها مرة في مدينة تايرول النمساوية قبل كتابته المسرحية بثلاث سنوات، وكان عمره آنذاك واحداً وستين عاماً فيما كانت هي في سن الثامنة عشر. يومها حدث نوعاً من الافتتان بين المؤلف وتلك الفتاة، وغير معروف إن كان ذلك الافتتان من كلا الطرفين أم من طرف واحد!. فلقد ظلا يتراسلان مدة عام كامل تقريباً، إلا أن إبسن وضع يومها حداً لتلك العلاقة حيث طلب من تلك الشابة إيميلي، بشكل دمث وحاسم، أن تتوقف عن الكتابة إليه تماماً. وفي حديث له بعد سنوات على كتابة المسرحية اعترف إبسن نفسه بذلك التماهي بينه وبين بطله قائلاً: "سولنيس هو إنسان شبيه بي إلى حد ما". وإبسن أخيراً شبيه بسيّد بنّائيه أيضاً في خوضه ذلك النزاع الداخلي الضاري ما بين المستلزمات الجمالية التي يقتضيها الفن وبين المتطلبات الأخلاقية في الحياة.
***
ثيمة المسرحية تتابع خطى المصير التراجيدي لشخصية هالفارد سولنيس، المعمار الذي توقف فجأة عن تصميم بناء الكنائس ليشّيد بدلاً عنها بيوتاً عادية للناس، وذلك إثر حريق مفاجىء كان شب في بيته وتسبب في موت طفليه التوأمين وعقم زوجته، والذي فسرّه على أنه نوع من العقاب الإلهي له، ظناً منه أن الرّب لم يكن راضياً عنه!.
تدور الأحداث في منزل سولنيس الذي حُوّل قسماً منه إلى مكتب يدير فيه شركته العقارية كمتعهد لبناء البيوت. في مكتبه هذا سنتعرف على موظفيه الثلاث: العجوز نات بروفِك (الممثل جيمس لورنسون) مساعد سولنيس ومستشاره. الرجل الذي كان في ما مضى معمارياً بارزاً يعمل تحت إدارته الكثير من البنائين بمن فيهم سولنيس نفسه! إلا أن سولنيس الشاب الطموح استطاع يومها أن يّبز رئيسه الشيخ ليحتل موقعه في الآخر!.
الموظف الثاني هو المهندس المعماري الشاب الموهوب راجنر بروفِك، ابن العجوز بروفِك (الممثل مارتن هوتسن) والذي هو من سيثير وساوس سولنيس ومخاوفه من إمكانية القفز فوقه واحتلال موقعه مثلما اختطف هو موقع والده من قبل!.
كاجا، الفتاة الجميلة، خطيبة راجنر(الممثلة تشارلي كاميرون) هي الموظفة الثالثة في الشركة وتشغل منصب السكرتيرة الخاصة لسيد البنائين، والتي ستواجه نزوات سيدها المتصابي في محاولاته أن يوقعها في حبائله العاطفية ليجعل منها قوة ضغط لاضعاف خطيبها راجنر!. وعلاقة كهذه، ليس بوسعها بالطبع، إلا أن تسىء أولاً لمغزى الحب الذي تكنه كاجا المخلصة لحبيبها راجنر، وهي، من جانب آخر تمثل إذلالاً ومهانة لكرامة الزوجة ألين سولينس «الممثلة ليندا إيموند».
في حديثه مع طبيب العائلة يفضي سولنيس بسّر عن علاقته بكاجا من أن مبعثها ليس عاطفياً بقدر ما كان يهدف منها الضغط على خطيبها راجنر لإبقاءه في العمل تحت هيمنته لأنه يخشي من مغادرته ليستقل بنفسه ويؤسس شركته الخاصة ويصبح فيما بعد منافساً قوياً له!. ومع ذلك، فهو مثلما كان بحاجة إلى بروفك الأب لانجاز مشاريعه في الماضي، هو بحاجة إلى إبنه المهندس الشاب راجنر برفوك الآن لتحقيق مشاريعه في المستقبل. يُستخلص من ذلك أن سولنيس هو شخص مستبد، قلق، كئيب ومنحرف عصبياً وإنسان غير موثوق به على الإطلاق. أما الشيء الأكثر غرابة في شخصيته فهو قناعته المَرَضّية بقواه الغريزية وقدراته التدميرية. هنا يبرز السؤال الجوهري لهذه الدراما: من بوسعه أن يقوض مثل هذه القناعة الحديدية؟ والإجابة هي: ليس راجنر بروفِك بالطبع هو من سيقوض تلك القناعة، لأنه أضعف من القيام بفعل عظيم كهذا، بل شخص آخر سيُبعث من الماضي. إنه هيلدا، الفتاة الفاتنة والساحرة الجمال القادمة من الجبال.
في حديثه مع طبيب العائلة، وقبيل وصول هيلدا، يفضي سولنيس بسر آخر له وهو خشيته من شبح الشيخوخة وقلقه من قدوم الجيل الشباب يوماً ليطرق بابه. في تلك اللحظة وحال انتهاءه من نطق تلك الجملة نسمع طرقات على الباب فتدخل هيلدا كما لو أنها قادمة من فضاء مخيلته!. حين يسألها، من تكون وماذا تريد، تجيبه بيسر وثقة أنها قدمت إليه لأنه كان قد وعدها قبل عشرة أعوام وفي مثل هذا اليوم تماماً أنه سيأتي ويأخذها معه لتصبح أميرته وسيمنحها مملكة هي عبارة عن قلعة سيشيدها لها في الهواء!. وبما أنه لم يأت فقد جاءت هي بنفسها بحثاً عنه!. هيلدا هي امتداد لشخصية هيلدا بطلة مسرحية "امرأة من البحر" تلك التي كان إبسن قد أبقاها لسنوات طويلة كي يهيئها ليبعثها هذه المرة إلى منزل سولنيس وهي في مظهر شيطاني لكنه ساحر.
الحدود الغائمة بين الوهم والواقع
يبتكر إبسن في هذه الدراما هارموني مدهش يمزج فيه ما بين الدراما العائلية ذات النكهة الطبيعية وبين ما عُرف لاحقاً بالدراما السيكولوجية، مازجاً الخرافة بالواقع بشكل تكاد تتلاشى الحدود بينهما تماماً. غرابة التقنية الإبسنية هذه تكمن في وثباتها الراقصة ما بين هذين النوعين من الدراما هدفاً في ترسيخ علاقة جدلية متبادلة بينهما تجعلهما متجاورين ومتناغمين بشكل متواز حتى النهاية. فهو يغرف هنا من نبع الميثولوجيا الإسكندنافية، مثلما فعل في مسرحية "بيرغنت"، مستحضراً مخلوقه الخرافي "ترول"(١)، الذي سيأتي محمولاً هذه المرة على جناحي فتاته الجبلية هيلدا، ليتسلل إلى روح شيخ البنائين، من أجل إغوائه بصواب قناعاته في أنه يمتلك قدرات خارقة تمكنه من تحقيق المعجزات. سولنيس سيخوض في هذه الدراما نوعين من النزاع، أحدهما واقعي، والآخر مجازي، يصبح الأول فيهما ثانوياً بسبب عدم تكافؤ قطبيه، فكفة المعمار الكبير هي الراجحة بسبب هيمنته على إدارة هذا الصراع. أما النزاع المجازي، الذي سيحتل المقام الأول والرئيسي هنا، فهو يدور بين الشيخ سولنيس وأوهامه، ذلك لأن الواقع حين يكف عن تلبية الرغبات القصوى ذات الطبيعة الإعجازية،
تصبح الخرافة عندئذ عزاءاً وحيداً لتحقيق تلك المعجزات. إنه نزاع يتسم بطبيعة فاوستية، يتقابل فيه سيّد البنّائين سولنيس وجهاً لوجه بشيطانه الخرافي "ترول" المجسد بهيئة هيلدا، هذه الجنية الجبلية القادمة من فضاء الإسطورة والتي ستوظف صور الماضي كنوع من التحدي الشهواني لهذا الشيخ الذي سيجد فيه نوعاً من الغواية لا يستطيع مقاومتها على الإطلاق. ليس هذا حسب، إنما ستتسع الحكاية نفسها لنزاع من هذا النوع لأنها تكاد تتماهى وحكايات الجن برقتها وفتنتها دافعة كلاهما، الفتاة والشيخ، صوب فضاء تخييلي مشبع بلغة مجازية يستطيعان من خلالها أن يتحدثا ما يشاءان بحرية مطلقة.
هيلدا هذه تنبثق من أعماق الماضي لتذكرّ سيد البّنائين بوعده الذي لم يفِ به. ولكن، هل بوسع شيخ هرم مثله بناء قلاع شاهقة في الهواء؟ سولنيس يعي تماماً مواطن ضعفه، لكنه يندفع مع ذلك خلف هذه المغامرة حتى لو كان ثمنها الموت. فهو يقول لهيلدا: "ها أنك تقفين أمامي يا هيلدا وفي أعماقك يسكن كائن الترول الخرافي مثلما هو يسكنني أيضاً. إنه يحشد القوى في الخارج ضدنا، ويتسلل خلسة إلى أرواحنا. ما علينا في الآخِر يا هيلدا إلا أن نستسلم له، شئنا ذلك أم أبينا."
إن قدوم الشباب مجسداً بهيئة هذه الساحرة هو من سيمنح سولنيس فرصة أخرى لمواصلة وجوده كما يظن، فحيويتها وفتنتها وروحها الحرة، كله بمثابة نسمة هواء نقي تتسلل إلى فضاء حياته الخانق والمعتم. وبما أنها تدرك جيداً طبيعة أوجاعه، لذا فإن وجودها سيساعده في الكشف عن حقيقة وضعه. لقد قدِمت إليه دون أمتعة سفر ودون محاباة أو تحامل، بل تبدو لأول وهلة كما لو أنها الوسيلة الوحيدة لخلاصه. إلا أن قوة حدسها تلك ستصبح في ذات الوقت سبباً في سقوطه، سعياً منها في دفعه نحو معرفة حقيقته الشخصية. إنه يرى فيها إمرأة متأملة وباحثة بشكل يبعث السحر في نفسه، محرراً اياه من ثقل إحساسه الدائم بالذنب ومن أسر مخاوفه السرية ورغباته الحبيسة.
رؤية المعّد ديفيد هير تُظهر سيد البنائين شخصية منعزلة مطفأة وعاجزة، فبوسع توصيفات كهذه أن تعزز فكرة أن سولنيس العجوز كان يعاني في الماضي من حصار سببه زيجة رتيبة ومضجرة تفتقر إلى البهجة يعاد شحنها الآن جنسياً بوصول الفتاة الساحرة هيلدا.
إنها تفتح جميع أبواب سجونه اليومية وتمنحه فسحة من الأمل والحرية إلى الحد الذي يتحول السعي من أجل الكشف عن حقيقته الشخصية من فعل تحرّر إلى علاقة حب مهلكة. غير إن المفارقة هنا أن هيلدا لا تشعر بالسعادة كاملة إلا حينما يهوي شيخها من الأعالي الشاهقة ليتهشم رأسه بالعمود الحجري ويموت في النهاية. هنا يمكن أن تُقرأ شخصية المعمار كـ «مبدع»، بالمفهوم النيتشوي، أنه ينبغي أن يتحطم من أجل أن يُبدع!.
هيلدا: "لقد استطاع أن يصل إلى القمة تماماً. آه، إنني أسمع ألحان قيثارات في الهواء". انتصار هيلدا هذا يتضمن نوعاً من الرؤية النبوئية. والآن، من هي هيلدا؟ أهي شيطان فاوست جاء ليغوي سولنيس ويقوده نحو هلاكه، أم أنها الملاك الذي جاءه ليحرّره من الكابوس الخانق لوجوده مانحاً أياه نوعاً من الكمال حتى وإن كان في موته؟
***
لقد أظهر الممثل رالف فينيس شخصية سولنيس رجلاً مصاباً بجنون العظمة، إنساناً مستبداً تتقاذفه الشكوك والهواجس من كل صوب. فعلى الرغم من احتلاله موقعاً بارزاً كمتعهد لبناء البيوت إلا أنه يحس بوجود قوى تهديدية ترصده من الخارج بغية تحطيمه، والتي يجد لها معادلاً واقعياً مجسداً في الشخصيات المحيطة به. فوجود العجوز بروفك، الذي كان يوماً صاحب هذه الشركة والآن هو أحد موظفيه، يؤجج إحساسه الكبير بالذنب نتيجة سلوكه غير الإنساني معه. وفي شخصية المصّمم المعماري الشاب راجنر بروفك وخطيبته الشابة كاجا يرى القوى التهديدية لدوافعه اللبيدية المكبوتة، مضافاً إليها شبح الجيل الجديد الذي جاء ليقتحمه ويقصيه عن الصورة. أما في زوجته ألين فيرى إثمه جلياً ومجسداً في عقمها بعد حريق المنزل وموت طفليه يضاف إلى ذلك علاقته غير الشرعية بسكرتيرته الشابة كاجا. لذا يصبح وجود ألين هو بمثابة الموت بالنسبة إليه.
يقول الممثل رالف فينيس إن ما جذبه نحو الشخصية التي يلعبها هو تعقيدها وعنف تناقضاتها المتأرجح بين الشعور بالذنب والإحساس بالسعادة». وحول مغزى الفكرة المركزية للنص، يضيف فينيس:«أن ثيمة
الدراما هذه تتناول موضوع الانبعاث الداخلي، لأنها مليئة بالحس اليونغي (المقصود عالم النفس السويسري كارل يونغ) في الجانب المتعلق بمحاولة الفرد أن يحيا ذاته الحقيقية وأن يكون متحرراً من صدمات الالتزام والواجب والذنب وما يتوقعه منه المجتمع. إنها الفكرة النمطية حول أزمة منتصف العمر».
في تجسيدها لدور الزوجة ألين قدّمت الممثلة عرضاً مرهفاً ورقيقاً لشخصيتها إلا أنه مؤلم وقاس جداً. فقد ظهرت لنا أشبه بطائر وُلد ليحيا داخل قفص: إنها امرأة جريحة تعاني حصاراً ذاتياً، مخلوقاً يفعل ما يمليه عليه ضميره، إنسانةً نبيلة مفعمة بهواجس قدسية الواجب. لقد جسدت ليندا إيموند، بشكل رقيق ومرهف، إذلال المرأة المتوسطة العمر إزاء سلوك زوج متصابي يعبث، وبحضورها، مع فتاة شابة بسن إبنته. السيدة سولنيس هي الضحية المثالية للطاقة التدميرية التي يحملها سيد البنّائين في أعماقه.
ينقلنا العرض من بعد من فضائه الواقعي إلى فضاء آخر حيث المكان يكاد يتماهى ومناخ الكابوس. هذه الانتقالة وظفها المخرج لتهيئة الجو لدخول شخصية هيلدا (الممثلة سارة سنوك) هذا الطائر الوحشي الذي قدم من أعماق الأسطورة ليقتات على فريسته المشتهاة. وهكذا فكل شيء الآن مُعّد لتأمل ما يمور في مخيلة الشيخ المجنون. يتقهقر زمن العرض إلى عشر سنوات ماضية، إلى ليسانجر، تلك الضاحية الجبلية، يوم تسلق سولنيس إحدى كنائسها التي انتهى من تشييدها تواً ووقف ليضع باقة ورد في قمة برجها، فيما كانت هيلدا ابنة الثالثة عشر ربيعاً تقف وسط الحشود تصّفق ملوّحة بشالها الأبيض نحو سيد البنائين. في مونولوجها الغرائبي تذكرّه هيلدا بأنه قبلهّا عدة مرات ووعدها أن سيأتي ليأخذها لتكون أميرته وأنه سيمنحها مملكة في إحدى القلاع التي سيشّيدها لها في الهواء.
يضيء لنا تعاقب أحداث العرض فيما بعد جانباً معتماً آخر في شخصية سولنيس، فهو قبل أن يصبح بنـّاء بيوت كان يبني كنائس في ضاحيته الجبلية ليسانجر، إلا أن حريق منزله الذي تسبب في موت طفليه التوأمين وعقم زوجته، أفقده يقينه دافعاً إياه إلى التخلي عن بناء تلك الكنائس، والشروع بدلاً من ذلك في بناء بيوت للناس العاديين!. بذرة الشك تلك ستزهر وتكبر في روحه ورأسه لتفقده إيمانه أخيراً حتى بالخالق نفسه.
الآن.. ومرة أخرى، من هي هيلدا؟ أهي كائن واقعي أم مخلوق خرافي خرج من الأعماق السحيقة المعتمة لمخيلة سيّد البنّائين؟
المخرج (ماثيو واركوس) يجيب عن سؤال كهذا بمعالجة مجازية بصرية تتماهى وفضاء الحلم هدفها الغوص عميقاً صوب تلك المناطق السرية لروح سيد البنائين. فقدوم هيلدا الفاتنة، البريئة والشكسة، هو من يفجّر ينابيع روح الكهل ويحرره من سجونه، معيداً له ضياء شبابه وأيام أمجاده من جديد. إنها عودة الشيخ إلى صباه. ها هو الحشد يتجمع ثانية ليشهد رؤية سيد البنائين وهو يتسلق السقالات حاملاً إكليلاً من الورد ليضعه على قمة برج بيته الجديد، ويعاد لنا ثانية المشهد السابق الذي جرى قبل عشر سنوات، ولكن على نحو مأساوي هذه المرة، وها هي هيلدا ثانية تقف وسط الحشد تصرخ ابتهاجاً ملوحّة بشالها الأسود نحوه.
هيلدا:إنني أسمع أغنية. أغنية رائعة.
(تصرخ بنشوة مبهجة)
أنظر، أنظر! إنه يلوّح لنا بقبعته! أوه، لوحّ، لوّح له بيديك.
نعم، نعم. فعلها أخيراً! نعم!.
(تنزع شالها وتلوّح له به)
مرحى! مرحى! مرحى بسّيد البنائين!.
رانجر: توقفي عن ذلك! أرجوك أن تتوقفي عن الصراخ!.
السيدة سولنيس: يا إلهي!.
النساء: إنه سيسقط! إنه سيسقط!.
هيلدا:(تنظر إلى الأعلى كما لو أنها استحالت إلى قطعة من الصخر)
أنت بنـّائي الكبير!.
أصوات: آه، إنه يسقط! إنه يسقط!.
الجميع: لقد سقط! لقد سقط! لقد سقط على العمود الصخري! يا إلهي.. لقد تهشم جسده!.
أصوات: مات! مات! لقد مات سيّد البنّائين!.
(صمت)
هيلدا:(تلتفت نحو راجنر وتهمس له)
انتهى الأمر! لن أراه ثانية يقف في الأعالي.
راجنر: هذا شيء فظيع. إنه شيخ.. شيخ كبير.
هيلدا:(بهدوء وهي تشعر بالانتصار)
لكنه استطاع أن يصل إلى القمة! نعم. آه، إنني أسمع صوت قيثارات في الهواء!.
(تلوح بشالها إلى الأعلى وتصرخ بنشوة)
مرحى، مرحى بك يا بّنائي العظيم.!
تبدو هيلدا، على ضوء تجسيد الممثلة (سارة سنوك)، صورة لإمرأة مثيرة، متلهفة، قاسية وبريئة، مخيفة ومخادعة، لكنها حكيمة.
بمواصفات كهذه، يمكن لنا القول أنها تستحق الغلبة في معركة كهذه، لأنك إذا أردت الانتصار على نموذج يمتلك مواصفات كهذه فينبغي أن تموت. على هذا النحو يصبح قدوم هيلدا هو بمثابة الجزء المتمم لمصير سولنيس المحكوم أصلاً بالموت.
لقد هيمن الممثل النجم رالف فينيس على العرض تماماً بجاذبيته ودقة أدائه العاصف والمذهل حقاً، فقد جمع في شخصيته في آن واحد، الألم والإثم، القوة والضعف، الإيمان والإلحاد، الشباب والشيخوخة، المستحيل والممكن. الجبهات التي كان يقاتل فيها سولنيس وحيداً. بأدائه المذهل لشخصية سيد البنائين أضاف فينيس نجاحاً آخر لرصيده المسرحي والسينمائي وهو يقدم أحد أكثر البورتريهات الذاتية ألقاً والتباساً في الدراما العالمية.
(١)
ترول " Troll"، حسب الفولكلور الإسكندنافي، كائن خرافي متوحش على هيئة قزم خارق للطبيعة يعيش في الكهوف والحفر والأنفاق، وظيفته رصد روح الإنسان، ومن ثم التسلل إليها بغية نخرها وتقويضها. إنه كائن ذو روح نزوية تدميرية ما تلبث أن تنهش روح حاملها شيئاً فشيئاً.