قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

الشاعر الحداثي شوقي مسلماني يلتزم في ان يكون ضوءاً في نفق الليل الطويل – ليل الخراب – الذي يلفّ عالمنا العربي على وجه الخصوص والعالم المعولم اقتصادياً والذي لا يتورّع عن التزاوج مع الجهالة ابتزازاً لثروات الأرض التي ما ينفكّ يغرف منها بلا توقّف رغم انه بلغ من الشبع حدَّ الانفجار، لكنّه لشهوة نهمه لا يتوقّف لأن الفزع من ان لا يبقى في الارض خيرات يدفعه الى مواصلة اغتراف ما تصل اليه قبضته سواء في "اقتصاد صناعي \ واقتصاد زراعي \ واقتصاد ريعي".. فـ"القبضة \ شديدة التملّك \ وقاسية" و"التنافس في الوحشية" يكرِّس "الاستغلال الطبقي" ويشرِّع "السلاح النووي" ويأكل "حقوق العمّال" حيث يقتدر وإنْ بالتدرج، ولا يعفُّ عن "حقوق المرأة \ التي تحمل على ظهرها مجرَّة" فينتقص من أجرها حيث تعمل ويشوّه جمالها في استغلاله للإعلان ويطعن أمومتها حيث يدفع أبناءها أفواجاً أفواجاً الى أتون الحروب ومحارق العنصرية.
يطرح شوقي مسلماني في مطلع مجموعته الجديدة "ضوء آخر" رأياً من حيث يدري أو لا يدري، في البدء والتكوين ونشوء الحياة، اختلف فيه الفلاسفة منذ ان نشأت الفلسفة، فـ"من مكان وفي زمان \ بدأت قطرة الدمّ تدخل في طور أول \ وتماماً مثلما هذا يسبح \ وذاك يركض \ وهؤلاء يطيرون وأولئك يزحفون \ وما بين الكلّ من تبادل في الأدوار \ لأنّ القسوة ولأن الرقّة.. \ واليوم الأوّل يحمل في أحشائه اليوم الاخير" فلكلّ بدء قدر نهاية.
لنترك التقديرات الفلسفية الآن وننصرف للنظر في متن ما احتوته المجموعة:
على وقع: وظلم ذوي القربى.. يقول : "اقتربتَ \ من مسألتكَ \ مع الذين يرمونكَ في الجبّ \ يتّهمونك انك رأس قليل \ أو موت جوّال" فيقرّر ان "أخطر العضّ \ هو أن تعضّ يدك \ يرمونكَ \ انك ترمي عينيك \ لسمكة القرش". وهل تكون يدك التي تعضّها غير بني جلدتك الذين إن آذيتهم آذيت نفسك وإن آذوك آذوا أنفسهم؟!.
أليس أخوة يوسف الذين رموه في الجبّ آذوا أنفسهم بقدر ما آذوه أو أكثر؟!.
لقد كان عملهم شنيعاً مخجلاً لا يشفع به القول إنه تحقيق للنبوءة فهذا قول لتبرير القبح الذي ارتكب ولم يخجل أخوة يوسف من فعلتهم لأن "وحده \ الذي يخجل \ هو الانسان الانسان".
ويسجّل شوقي احتجاجاً صارخاً على نفاق العالم فيقول :"الوجوه ذاهلة \ الحرارة فوق الاربعين \ لا قطرة ماء \ مشهد يتكرّر \ شباك صيادي السمك \ في البحار البعيدة \ لا تزال ترفع عظاماً بشرية \ لا نفع بعد من رفع تقارير \ للجهات الحكوميّة المعنيّة \ حرائق في الوجوه \ من أثر خليط الملح والنفط \ من أثر نفاق العالم".
وفي المحصّلة لا تتورع الأنظمة والدول ولن يتورّع الإنسان من ان يلغي من يعارضه أو من لا يشبهه وأحياناً من يشبهه إذا ما استشعر انّه يتقدّم عليه ليقرّر انّ الداء ليس في علوم الحرب، فكلّ "مذاهب العنصرية داء \ ومذاهب الجشع والقتل بالتجويع" هي داء أيضا، ومن وميض حقدها تشتعل الحروب. وعندما تشتعل الحروب تكثر جرائم الإبادة، وإذا ما ارتكبت دولة ما أو دول بعينها جرائم إبادة فمن المفيد ان تعترف بما اقترفتْ علّها لا تعود مرة اخرى الى ارتكاب العمل المشين "لكنّ الغريب في نمط نظام عقلك" أيّها العنصري هو انه "صنيع نظامك اللصّ" ولن يهدأ لك بال أو يهنأ لك حال "إلا اذا أوغلت أكثر في الدمّ \ تعترف بجريمة لتدبّر لثانية \ أليس هذا ما جرى مع فلسطينيي غـزّة \ أيّام أعياد الميلاد ورأس السنة 2008 – 2009"؟. وما "الـفارق بين الموت بالغاز \ والموت بالفوسفور الابيض؟". ولماذا يُقهر الفلسطيني تكفيراً عن جرائم ارتكبتها العنصرية الاوروبية؟. وكيف يمكن لمن يستجير من ظلم الحقته به العنصرية الأوروبية أن لا يتوانى عن ارتكاب ظلم أشنع منه وأفظع ضدّ الآخرين حين تسنح له الظروف؟. أمّا أولئك الذين يدافعون عن الإحتلال والإغتصاب فكيف لك ان "تحتمل بصبر جميل لساناً للإيجار" يدافع عنهم، وما أكثر الألسن المؤجّرة والعقول المؤجّرة أيضاً في زمن العولمة الفاجرة!. انها مهما ابتدعت من علل وأعذار فلن تتمكّن من تبرير الإحتلال واغتصاب الأوطان فـذلك عكس منطق التاريخ الذي يحتّم فعل المقاومة ضدّ الاحتلال ويُنبت المقاومين كمثل الدكتور جورج حبش "ورقة السنديان الناعمة والجارحة \ أوّل الشرر وأوّل اللهب \ الفكرة التي تلت النكبة \ سار على خطى السيّد المسيح \ في أرض الشريعة وبحر الجليل \ كان عذباً كأنهار بلاده \ علقماً كناقف الحنظل في قفار اللد".
"قال الحكيم جورج حبش: "لاعذر لمن أدرك الفكرة وتخلّى عنها" \ "تستطيع طائرات العدو \ ان تقصف مدننا ومخيماتنا \ ان تقتل الاطفال والشيوخ والنساء \ لكنّها لن تستطيع \ ان تقتل إرادة المواجهة فينا \ أنا مسيحي المولد \ إسلامي التربية، اشتراكي الفكرة".
ونسأل أنفسنا كيف تخلّى الإسلام ومعظم المسلمين في زمن العولمة الفاجرة عن التربية التي أنشأت جورج حبش ورفاقه وسمح باستبدالها بتربية التكفير و"جهاد" النكاح بدل جهاد مقاومة المحتلّ مغتصب الارض. "لا عذر لمن أدرك الفكرة وتخلى عنها". ولن نستوحش "طريق الحق لقلة السائرين فيه". وسيبقى أطفالنا ممسكين بحجر يرمون به العدو حتى زوال الإحتلال والإغتصاب. ولن يشعر جورج حبش الذي لا "يُذكر اسمه الا مشفوعاً بالحب والتقدير والامتنان" بالراحة والسلام حيث يرقد في مثواه الاخير إلا ساعة يعود الحق لأصحابه ويزول الإحتلال ويزغرد دمّ "راشيل كوري" التي سحقتها الجرّافة الاسرائيلية قصداً وعمداً وهي تقول "اقتلوني أنا أولاً كما دائماً" وهي تدافع عن حقّ الفلسطينيين في الأرض والحياة.
باختصار "ضوء آخر" يزخر بالأفكار المكثّفة الهادفة فـ"العقل الغائب" مثلاً "لا يرى الفكرة الحاضرة" وإذا غاب العقل ليس انه لا يرى الفكرة الحاضرة فحسب بل لا تسل عن الموبقات التي يمكن ان تُرتكب بغيابه.
"ذاتها الخرافة \ ما أكثر العقل فيها \ ذاته العقل \ ما أكثر الخرافة فيه" تداخل العقل مع الخرافة والخرافة مع العقل ينتجان فكراً آسناً يولّد الانحطاط وينشر الجهل ويحتاج أجيالا لتجاوز كوارثه.
وثمّة ترابط بين الجهل والفقه: "فقيه جاهل \ عمله التستّر على الجهل والعجز". وإذا تناول الفقيه الغيبيات كان حابساً للتأمّل مسبّباً لغيبوبة العقل وبالتالي ناشراً للجهل. أمّا "الوعي الزائف" فهو المساهم الأوّل باغتيال الغد المشرق للانسان.
أمّا "ميدان الحرب فقط طاله التحديث" فتحدّثتِ الأسلحةُ وأضحت البشرية حقل تجارب لاختبار فعالية الأجيال الجديدة منها.
"وقوم من الاقوام \ يفرحهم النهيق \ ويحزنهم تغريد الكنار".. "من يحقد \ على غيرك \ انتظر منه دورك".
أمّا عن مهازل الديمقراطية التي ترسم قواعد اللعبة لتفوز الأقلية بأصوات الأكثرية فإنّها ترسّخ الحكم بيد الاقلية "وعلى الاكثرية \ ان تقتنع \ انها هي التي \ تحكم". فالديمقراطية بمفهومها الشائع لا تعدو ان تكون ديكتاتورية الأقلية على الأكثريّة بتغليف انتخابي.
وتتناول مجموعة "ضوء آخر" الشعريّة ما تراه الخلل "وليس ربّما ولكن بالتأكيد". ويذهب البعض في أغلب الأحيان الى اتّهام اللغة بالتقصير في حمل مضامين أفكارهم. والحقّ ان العيب ليس في اللغة بل في من يستعملها. فإذا استعملها للنفاق والخداع كان له "وليس ربّما ولكن بالتأكيد" كأحرف في جمل لا مضامين لها. أمّا إذا استعملها في البحث وفي العلوم والفنون وأمور الحياة جاءت مفرداتها حفراً وتنزيلاً أسلوباً ومضموناً وفي عبارات مكثّفة أو مسهبة وفقاً لمقتضيات الحاجة لها كما في كثير من صفحات مجموعة "ضوء آخر".
شوقي مسلماني.. بورك عملك وجهدك، والى مزيد من العطاء الهادف .