سليمان بوصوفه من لندن: الدخول إلى شارع بلاك هورس في منطقة فانزبيري بارك شمالي لندن ليس كالخروج منه! إنه شارع مليء بكاميرات المراقبة التي نصبتها الشرطة البريطانية ؛ ومكتظ بشباب تتراوح أعمارهم مابين التسعة عشر عاما والأربعين... الشباب هنا في كل مكان ؛ لا مكان للأطفال والشيوخ ولا للجنس اللطيف! مقاهي مصطفة على جانبي الطريق يجلس إلى طاولاتها زبائنُ؛ عادة ما تنتفخ شفاههم بالتبغ ( الشّمة) ؛ يلعبون الورق وأحجار الدومينو على وقع موسيقى جزائرية ؛ ويترشفون فناجين القهوة...نظراتهم ثعلبية حادة؛ تحمل الشّك والريبة لكل غريب يكسر عالمهم الروتيني !
هنا الجزائر هكذا قال أحدهم : كل ماهو جزائري يُباع هنا؛ المأكولات والحلويات التقليدية؛ أشرطة الموسيقى ؛ إضافة إلى الجوازات المزورة؛ الماركات المقلدة؛ وحتى فستان الملكة إليزابيث الثانية يباع هنا إن أردت!
دخلت إلى محل للإنترنت؛ وما إن بدأت الإبحار عبر العالم الافتراضي؛ حتى علا صوت صاحب المحل: اخرجا من هنا يا(حرميّة)! سأخبر الشرطة إن رجعْتما... وجدته يخاطب شابّين في العشرينات؛ بيد أحدهما جهاز كومبيوتر محمول! سألته : ما خطبُهما؟ فأجاب : أحدهما نشل الجهاز ويريد بيعَه للثاني ؛ لكن أين ؟ داخل مخادع الهاتف ؛ في محلي..إنهما يريدان توريطي مع البوليس الذي يراقب المنطقة بلباس مدني!!
أخبرته بأنني معزوم على عرس و أبحث عن قميص و طاقم مسروقيْن بثمن بخس لكن من نوعية جيدة ؟ أخذ بيدي وقادني إلى عتبة المحل وأشار بإصبعه إلى شاب نصف أصلع مستندا إلى الحائط؛ فقال هذا (حكيم) اسأله فستجد عنده مالا يخطر ببالك !
حيّيت حكيم وعرضتُ عليه المواصفات ؛ ارتبك قليلا والتفت يمنة ويسرة فقادني إلى سيارة مصطفة بعيدا وفتح الصندوق ؛ وكانت المفاجأة ! أطقم من نوع boss.cerruti.pierre cardin، و قمصان من أجود الماركات العالمية؛ الأسعار كانت رخيصة فالطقم من نوع شيروتي يُباع في المحل ليس بأقل من ثلاثمئة جنيه استرليني ؛ وصاحبنا يعرضه بمائة وخمسين جنيها ! والسعر قابل للانخفاض.
بعد دردشة قصيرة سألته عن مصدر هذه السلع؛ قال : هناك مختصون يشترونها من المحلات الفاخرة ببطاقات ائتمان مزورة!! بادرته: كيف يحصلون عليها؟ فأجاب: إذا ذهبْت إلى مطعم مثلا وأعطيت النادل بطاقتك الإئتمانية وكان النادل ندلا؛ فإنه يُمررها عبر جهاز صغير يكون دائما في جيبه؛ هذا الجهاز يلتقط المعلومات المغناطيسية للبيانات الشخصية ؛ ثم ينقلها إلى جهاز كومبيوتر خاص؛ فيُصدر بطاقةً ائتمانية باسم آخر لكن بمعلوماتك!! ولا تشعر بالسرقة إلا حينما تستقبل استمارة عملياتك المصرفية آخر الشهر!! فيمكنك أن تجد مبالغ صُرفت منك في بانكوك وأنت في لندن!!
سألته بلهفة إذن هنالك تجارة سوداء تُقدر بالمليارات! نعم لكن إذا كنت تدفع التأمينات فالشركة هي التي ستُعوض؛ تظاهر بالعجلة وطلب مني أن اصطحبه إلى المسجد القريب وأقيس البضاعة في حمامات المسجد! قُلت له أتُصلي : قال بالطبع خمس مرات في اليوم مع الجماعة ! اسأل عني في المسجد... قلت: ألا تعتبر أن السرقة حرام؟ علا صوته: إنهم قد مصّوا دماءنا ونهبوا ثرواتنا لا أشفق عليهم! سألْته إن كانت بريطانيا قد احتلت الجزائر؟ رد بحقد : كلهم سواسية هيا... أتريد أن تشتري أو تتفلسف؟ تظاهرت بالرد على مكالمة هاتفية فتركته وانصرفت!
دخلت إلى مطعم شعبي يملكه (عمي بوجمعة) وهو شيخ معروف بمساعدته للاجئين وتقديم الخدمات لهم...طلبت الشوربة الجزائرية وسألته عن معاناته مع هؤلاء الباعة ؛ قال متحسرا : لقد جنّنوني ؛ فكلما ترجّتُهم بأن يكفوا عن بيع الهواتف النقالة المسروقة تحت الطاولات إلا وتحولوا إلى أشخاص عدوانيين وهددوني ؛ وأنا شيخ مسن؛ والله يهديهم!
تساءلت عن دور الشرطة؟ قال إنها تقوم بمداهمات موسمية؛ لكنها إن لم تمسك الشخص وهو يرتكب جُرم السرقة؛ فلا يمكنها إدانته!
تمشّيت قليلا في الشارع وإذا بشاب يحمل ساعة من نوع (رولاكس) يعرضها علي ! كم ثمنها ؟ قال إعطني مئة جنيه والله معاك! سألته هل هي أصلية أم مقلدة؟ قال : طبعا أصلية؛ سرقتُها قبل يومين بيديّ هاتين من سائح ياباني!ّ أفهمْته بأنني لا أريد شراءها وسألته لماذا لا يعمل ؟ قال إنه يعيش في الأسود وكيف يعمل ! وحتى إذا عمل فكم سيحصل من ساعات طويلة يُقضيها في غسل الصحون وتنظيف الشوارع!
منطقة فانزبيري لا تقتصر على الشباب الجزائري وإنما يتشارك في هذا البزنس الألبان والصرب والروس وحتى اللبنانيين والفلسطينيين ؛ فالروس مثلا مختصون في سرقة السيارة الفاخرة وبيعها ؛ أما الألبان فتتركز (تجارتهم) على إصدار جوازات السفر المزورة لأن الطلب عليها كثير في بلادهم... وهكذا فإن التجارة السائدة والرائجة هي التجارة في المحظورات والممنوعات!
قال لي مراد وهو شاب وصل إلى لندن قبل شهور؛ إذا أردت أن تشتري قمصانا أو هواتف أو أحذية أو الروائح فما عليك إلا بالحلاق! إنه المكان المفضل للصوص لعرض بضاعتهم عليك؛ فمن خلال لباسك يستطيعون أن يتعرفوا على ذوقك ! قلتُ ألا يطردهم صاحب المحل؟ قال : عادة ما يعطونه بضاعة كهدية ليغض النظر عن نشاطاتهم!
وهكذا فحسب الشباب الذين التقيتهم ؛ فمعظم هذه السلع يأتي من النّشل ومن تزوير بطاقات الائتمان ؛ وهذا لا يعني أنه ليست هناك مصادر أخرى ؛ فالكثير من الشباب الذي يعمل في محلات بيع الملابس يُهرب السلع من المخازن بعيدا عن أعين الكاميرات والحراس ثم يُوزعها على الصبيان ( الخرفان) ليُسوقوها بدورهم في الشوارع!
إنه الوجه الخفي لشوارع لندن.






التعليقات