يعاني جنود الأمن المركزي المصري الفقر والأمية وظروف العمل القاسية التي تترك آثارها واضحة على معالمهم. يزيد عددهم على نصف مليون شخص، ويعتبرهم النظام الحاكم في مصر منذ ثلاثين عاماً العصا التي يضرب بها كل من يحاول الإعتراض على سياساته. فهل تدفعهم ظروفهم للثورة؟nbsp;


القاهرة:nbsp;كانت مظاهر الإرهاق الشديد تبدو على وجهه بوضوح، عندما مد إليه أحد المتظاهرين يده بقطعة من البسكويت. تمنّع الجندي لثوانٍ، ثم ما لبث أن مدّ يده بخجل، وأمسك بالبسكويت، قائلاً بابتسامة شاحبة quot;شكراً، تصدّق أنا منذ الصباح على لحم بطنيquot;.
nbsp;
كانت الساعة تقترب من السادسة مساء بتوقيت القاهرة. مال على زميله الواقف إلى جواره الكتف بالكتف، منحه نصف قطعة البسكويت، فابتسم الآخر، وظهرت أسنانه شديدة الصفرة، وقال quot;كلنا جعانين جداً، مفيش حد فيكم معاه شوية مية، لأني عطشان جداًquot;. سريعاً خرج أحد المتظاهرين، واشترى البسكويت وزجاجات المياه، ووزعها على الجنود.nbsp;

بينما استفسر جندي آخر عن موعد فض التظاهرة، وكان التعب قد استبدّ به، لدرجة أنه كان يستند إلى الحواجز الحديدية، وتبدو عيناه شديدتي الإحمرار وقال quot;هي التظاهرات هتخلص إمتى؟ ياريت نروّح بقى، لأننا تعبنا جداً، مش قادرين نقفquot;.

عصا النظام الأميةnbsp;

إنهم جنود الأمن المركزي الذين يعتبرهم النظام الحاكم في مصر منذ ثلاثين عاماً العصا التي يضرب بها كل من يحاول الإعتراض على سياساته. وهم من الشباب الأميين، لم يحصلوا على أي قدر من التعليم، وقلة منهم حاصلون على مؤهلات متوسطة، وأقرب ما يكون إلى الأميين، إذ إن التعليم المتوسط في مصر يعاني تدهورا شديدا، ولا تعرف الغالبية العظمى من خريجيه إلا مبادئ القراءة والكتابة فقط. ويبلغ عدد جنود جهاز الأمن المركزي ما يزيد على نصف مليون شخص.

ينتمي جنود الأمن المركزي إلى الفئة الكادحة، وينحدرون من القرى، ولذلك يبدو الفقر والمرض واضحاً على ملامحهم. وكانت تقاسيم وجه المجند محمود الذي رفض ذكر اسمه كاملاً خوفاً من قياداته، خير نموذج لهم، فهو شاب في بداية العشرينات من عمره، ذو ملامح سمراء، نحيف العود، قال لـquot;إيلافquot; معبراً عن تضامنه مع المتظاهرين في ميدان عبد المنعم رياض في وسط القاهرة: quot;نحن نعلم أن المتظاهرين عندهم حق، ونحن أيضاً نعاني الغلاء، والعيشة الكرب، لكن ماذا نفعل؟ لو الضباط قالوا لنا quot;أضربquot;، سنضرب. نحن لا نستطيع أن نعصي الأوامر، حتى لا نتعرض لمحاكمة عسكرية، ويتعرض أهلنا للبهدلة، لأن الحكومة قوية ومفتريةquot;. وتابع قائلاً بأسى واضح: quot;والله أنا خايف يكون أخويا محمد معاهم، وأي فرد من العساكر يضربه، أو حد يضربه برصاصة في صدره، لأنه مخنوق من الحياة كلها، فهو متخرج منذ أربع سنين من الجامعة، وخالي شغل. وكل ما يقدم في وظيفة يلاقيها محجوزة لأصحاب الواسطة وأبناء الذوات، ويكتشف أن الإعلانات والمسابقات تحصيل حاصل، حتى يكون كل شيء رسميا، ومتستفا على الورقquot;.

لم يكن محمود وحده يعاني ضيق الحياة، بل يشكو المجند جمال من الظروف ذاتها، فهو ترك التعليم من المرحلة الإعدادية، لمساعدة والده على تكاليف المعيشة، فلديه أربعة أشقاء في مراحل التعليم المختلفة. وكان يعمل في المناجم، وهو قال لـquot;إيلافquot;: quot;نحن نقف منذ الصباح، ونشعر بالإرهاق الشديد، فأنا أشعر أن قدميّ لن تقدرا على حملي أكثر من ذلك. ونحن جوعانين، وقد لا نأكل أية لقمة حتى منتصف الليل، لو الناس ظلت تتظاهر هكذاquot;. وأضاف موجها حديثه لبعض المتظاهرين: quot;أنتم يمكنكم الذهاب وتناول الأكل والعودة، لكننا لا نستطيع التحرك من مكاننا. روحوا، وتعالوا غداً، لأننا تعبنا جداًquot;. nbsp;nbsp;

ووفقاً لدراسة صادرة عن مركز الدراسات الإشتراكية فإن فكرة استخدام الأفراد المجندين في وزارة الداخلية في أعمال الأمن تعود إلى ثورة 1919 وعجز قوات الشرطة المحدودة وقتها على مواجهتها، ما دفع الاستعمار الإنكليزي للاستعانة بمجندين من الجيش لإستخدامهم في قمع التظاهرات. وعادت الفكرة للظهور مرة أخرى في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في أعقاب هزيمة يونيو 1967. عندما اندلعت تظاهرات عمال حلوان في فبراير 1968 احتجاجاً على الأحكام الصادرة ضد قادة سلاح الطيران المتهمين بالإهمال والمسؤولية عن الهزيمة، وعجزت قوات الأمن وتشكيلاتها عن مواجهتها. فأصدر وزير الداخلية آنذاك قراراً برقم 1010 لسنة 1969، أنشأ بمقتضاه جهاز الأمن المركزي، وخصه بمواجهة الإضطرابات وأعمال الشغب التي تعجز قوات الأمن العادية عن مواجهتها، ولم يتجاوز عدد جنود الأمن المركزي آنذاك خمسة آلاف جندي.nbsp;

مع اتساع نطاق النضالات الجماهيرية في السبعينات، اتسعت أيضا قوات الأمن المركزي حتى وصلت للذروة في أعقاب انتفاضة يناير 1977. وقد طوّرت وزارة الداخلية إستراتيجيتها وتكتيكاتها ضمن ما عرف بسياسة الأمن الوقائي في عهد النبوي إسماعيل، بما يعني توجيه ضربات إجهاضية لأي تحرك سياسي أو اجتماعي وهو لا يزال في المهد. وهكذا لم تتضاعف أعداد جنود الأمن المركزي حتى بلغت نصف مليون فحسب، بل انتقل تسليح الجهاز أيضاً من العصي والقنابل المسيلة للدموع والبنادق إلى المدافع الرشاشة والسيارات المدرعة.

وأكدت الدراسة التي أجراها الباحث إبراهيم الصحاري أن أغلب جنود الأمن المركزي ينظر إلى فترة التجنيد البالغة ثلاث سنوات على أنها عقوبة وتمر بأية صورة، فالمعسكرات بالنسبة إليهم سجن، حيث يعيشون في معسكرات ضخمة من الخيام لا تتضمن أية مرافق مريحة، وهم ينامون على الأرض ولا تتوافر لهم دورات مياه آدمية. كما أن التغذية التي تصرف لهم لا تتناسب مع ما يبذلون من جهد شاق، حيث وصل متوسط ثمن الوجبة عن اليوم الواحد شاملاً الإفطار والغداء والعشاء 93.7 قرشاً طبقاً لعقد توريد أغذية 1989/1990 وذلك بعد ما تحسنت التغذية كثيراً بعد أحداث فبراير 1986.nbsp;

ولا يحصل جنود الأمن المركزي على إجازات إلا لفترات قليلة ومتباعدة، وهم يتعرضون إلى تدريبات شاقة ولا إنسانية ويتعامل معهم الضباط كأنهم آلات صماء بلا مشاعر أو إرادة. فمن بين أساليب تدريبهم إجبارهم على الوقوف ثماني ساعات لا يتحركون خلالها ولو لقضاء الحاجة، فضلاً عن شحنهم ضد أي مشاعر إنسانية قد تنتابهم أثناء أداء مهمتهم بتدريبهم على ضرب بعضهم البعض. إذن الحياة في المعسكر بالنسبة إلى جندي الأمن المركزي تشبه السجن تماما.ً ويعمق إحساسهم بالظلم التناقض المخيف بين بؤس حياتهم في المعسكرات والرفاهية البادية في الأماكن التي يكلفون بحمايتها، من بنوك وشركات وسفارات وفنادق.