تواجه الصحف الورقية الألمانية أزمة واضحة ما أدى إلى تراجع نسبة مبيعاتها وعدد قرّائها بشكل كبير وخطير، والمسبب الأساسي في هذه الأزمة هو الانترنت الذي منح للمتلقي وسيلة سهلة يتصل بها مع العالم.


لندن: قبل ثلاثة عقود، أصدر محررو صحيفة آبند تسايتونغ اليومية في مدينة ميونيخ جريدة لبيعها لـ 300 ألف قارئ كل يوم. وبعد ثلاثين عامًا انخفض توزيعها إلى 107634 نسخة في اليوم. وهناك الآن قسم فارغ من بين ثلاثة اقسام تضمها غرفة الأخبار المجاورة لمكتب رئيس التحرير، آرنو ماكوفسكي. لذا يستخدم الأخير قلمًا من الحبر الجاف لإضافة منحنى صاعد إلى الأعلى على خريطة آفاق البيع المعلقة أمامه، ولا يملك سوى الضحك.

تراجع نسبة القرّاء
ويعرف ماكوفسكي أنه لا يستطيع أن يدفع منحنى المبيعات إلى أعلى بعد الآن، وهذا ما يعرفه أيضًا رؤساء تحرير صحف ألمانية أخرى مثل برلينر مورغن بوست وتاغس شبيغل، وبرلينر تسايتونغ وهامبورغر آبندبلات وهامبورغر مورغن بوست، وكل ما يستطيعون عمله هو وقف هبوط المبيعات.
ففي برلين وهامبورغ وميونيخ فقدت الصحف المحلية زهاء 30 في المئة من قرّائها خلال العقد الماضي، وما زال العدد مستمرًا في الهبوط بوتائر متسارعة.
وكان إعلان اكسل شبرنغر مالك الامبراطورية الاعلامية التي تحمل اسمه عن بيع صحيفة هامبورغر آبندبلات، أول صحيفة أصدرتها شركته، ويعتبر انسحابه من سوق الصحف المحلية، بمثابة صدمة لمحرري الصحيفة والآخرين على السواء. وفي الحقيقة أن جميع الصحافيين العاملين في جرائد ورقية يشعرون وكأنّ أحدًا ـ في هذه الحالة أكبر دار نشر ألمانية ـ صفق الباب بصوت عالٍ وبدأ ناقوس النهاية يقرع بهدوء وراء الباب.

الاعلانات هجرت الصحف
ويدرك ماكوفسكي (52 عامًا) أن ولاء القرّاء، الذي ظلت الصحف الألمانية تراهن عليه طيلة عقود، أخذ يضعف، وأن الانترنت والمال والموت كلها عوامل ليست لصالح الجريدة الورقية.
وتشهد صحف عديدة هبوط توزيعها لأن قرّاءَها يرحلون عن هذا العالم بالمعنى الحرفي للكلمة، فيما يرى كثير من القرّاء أن الجرائد باهظة الثمن، فتحولوا بدلاً من شرائها إلى القراءة على الانترنت، بوصفها أهم مصادر معلوماتهم. كما أخذت شركات الإعلان تنفق أقل على الاعلان في الجرائد الورقية، التي كانت لفترة طويلة ساحة أساسية للحملات الاعلانية.

وفقدت الصحيفة اليومية خلال العقد الماضي دورها في تكوين الرأي العام وتشكيله، والخبر الذي يخترق وعي الجمهور والنبأ الذي يُعد فاضحاً أو يستحق السجال هو الآن نتيجة مباراة حامية الوطيس تخوضها المجلات والمواقع الالكترونية والتلفزيون، فضلًا عن مواقع التواصل الاجتماعي مثل quot;فايسبوكquot; وشركات انترنت عملاقة مثل quot;غوغلquot;.

وما زالت الصحيفة المحلية الصغيرة تحتكر معلومات منطقتها، وتستطيع الصحيفة اليومية القومية أن تترك بصمتها بسبق صحافي كبير. ومن الناحية الأخرى، فإن صحفاً في مدن مثل برلين وميونيخ وهامبورغ تعاني أشد المعاناة من منافسة الإعلام الرقمي.

وتواجه جميع أقسام التحرير سواء أكانت في الصحف المحلية أو صحف المدن الكبيرة أو الصحف القومية ست مشاكل كبرى لخّصتها مجلة شبيغل اونلاين بالأسئلة التالية:
ـ ما حاجتنا إلى جرائد يومية؟
ـ إلى أي مستوى ستهبط أرقام التوزيع؟
ـ ماذا الذي يمكن أن تفعله أقسام التحرير إزاء هذا الوضع؟
ـ هل يفترس وجود الصحيفة الرقمي وجودها الورقي؟
ـ هل يمكن حساب عددالذين يقرأون الصحف على الانترنت؟
ـ وكيف ستبدو جريدة المستقبل؟

أشار رئيس واحدة من أكبر الوكالات الاعلامية إلى مشكلة سابعة خلال اجتماع لأقطاب صناعة النشر في مدينة فيزبادن غربي المانيا في حزيران (يونيو). وقال للحاضرين من أصحاب دور النشر: quot;عوُّدوا أنفسكم على الحقيقة الماثلة في أنه سيكون على الصحف أن تحل مشاكلها بلا ايرادات من الاعلان في المستقبلquot;. فالوكالات توزع ايرادات الاعلان من الشركات على محطات التلفزيون وشركات الانترنت والمحطات الإذاعية والصحف والمجلات. وهبطت حصة الصحف من ايرادات الاعلان بنسبة زادت على 50 في المئة منذ عام 2000 لأن الشركات تفضّل التوجه إلى المستهلك مباشرة أو تستخدم التلفزيون والانترنت لمخاطبته.

إنها حلقة شيطانية مفرغة، فكلما زاد هبوط توزيع الصحف اليومية، تسارع ما تفقده من الاعلانات. وإن رهان الناشرين على أن تؤدي الأموال التي تتدفق على الانترنت إلى زيادة ايرادات الإعلان على مواقع الصحف الالكترونية لم يتحقق إلا جزئيًا. إذ تُنفق ملايين للإعلان على الانترنت ولكن ليس على النسخ الالكترونية للجرائد الورقية.

وفي الولايات المتحدة على سبيل المثال تلتهم غوغل اربعة أمثال الايرادات التي تحققها من الإعلان، المواقع الالكترونية لكل الصحف الورقية مجتمعة.

الانترنت
تهدد الانترنت الصحف اليومية اقتصاديًاـ ولكن تهديدها صحفيًا أكبر، وفي السنوات الأخيرة كانت المؤسسات الاعلامية الناجحة على الانترنت هي المؤسسات التي تلبي حاجة القرّاء إلى المعلومات والتصنيف بسرعة أكبر وبطريقة أكثر تميّزاً وفي المقام الأول بكلفة أقل.

وتتولى مد القارئ المهتم بأخبار شؤون الساعة المواقع الالكترونية للصحف الورقية وشركات الانترنت مثل غوغل، ومواقع التواصل الاجتماعي مثل فايسبوك وتويتر، وعشرات التطبيقات الاخبارية الجديدة وهفنغتون بوست والبي بي سي نيوز. ويستطيع المستخدمون أن يلقوا نظرة أعمق على الأخبار عن طريق خدمات التدوين، ويمكن لمحبي كرة القدم أن يتابعوا في مواقع رياضية متخصصة على الانترنت معلومات أكثر مما تقدمه صفحة الرياضة في الجريدة اليومية. ويصح الشيء نفسه على الأطباء والمحامين والمهندسين والصحافيين. ومن أراد معرفة الحقيقة بشأن أحوال الصحف بمقدوره أن يحصل على معلومات مفيدة من مدونات ومنابر متخصصة وليس من الصحف نفسها.

صنع الانترنت جمهورًا مضادًا لجمهور وسائل الاعلام التقليدية، بسرقته منها وحرمانها من السيطرة عليه وتجريدها من هالتها السابقة. وتفرض الانترنت على الاعلام الورقي أن يكف عن إمطار قرّائه بالصحف والمجلات كمن يبيع رزماً كاملة من السلع المنزلية. فالانترنت حول القارئ إلى مشارك في الجدال ومحرر ومصدر الهام ومصدر إزعاج ومخطط ومحرض.

سجال متغيّر في صحيفة ألمانية كبرى
منذ أن بدأ محررو الطبعة الالكترونية لصحيفة زود دويتشة تسايتونغ التي تعتبر من كبرى الصحف الألمانية، اطلاع زملائهم في اجتماعات التحرير اليومية على عدد النقرات التي تتلقاها المقالات على موقعهم الالكتروني، تغيّرت طبيعة النقاش في هذه الاجتماعات، كما تنقل شبيغل اونلاين عن شتيفان بلوشنغر، رئيس تحرير النسخة الالكترونية للصحيفة.
ولاحظ محررون كيف يمكن حساب ردود الأفعال والاستجابات بصورة مباشرة على الطبعة الالكترونية.

ويعمل محررو الطبعة الورقية والالكترونية بصورة وثيقة في زود دويتشة تسايتونغ، ولكن لتنفيذ مهمات وايصال رسائل مختلفة، فمحررو الطبعة الالكترونية يصنعون وسطًا حيًا، كما يؤكد بلوشنغر، في حين أن يغلق محررو الطبعة الورقية أبواب تحرير جريدتهم في الساعة الخامسة بعد الظهر، ويبقى مطلوبًا منها أن تستدرج القرّاء وتلهمهم في اليوم التالي. فالنسخة الالكترونية صحافة في الزمن الحقيقي في حين أن النسخة الورقية صحافة يومية.

ويقول فولفغانغ كراخ، نائب رئيس تحرير الطبعة الورقية إن الذين يعاملون الصحافة الالكترونية على أنها مجرد قناة توزيع أخرى للصحافة الورقية quot;يسيئون فهم الوسطين على السواءquot;، مبينًا أن 10 إلى 15 مادة من طبعة اليوم التالي الورقية تظهر على الموقع الالكتروني باستثناء quot;النصوص التي تجسد الشخصية المتميزة للصحيفةquot;.

وتابع كراخ أن ناشري الصحف اخطأوا حين ظنوا أن عليهم أن يقدموا محتوى ذا قيمة مقابل لا شيء وأن هذا كان نتيجة وهمين، الأول الأمل بأن المواقع الالكترونية ستجلب مشترين جددًا للمنتوج الورقي، والثاني إن ايرادات الاعلان على المواقع الالكترونية يمكن أن تغطي تكاليف التحرير، وهو هدف لم تحققه إلا قلة من المطبوعات.

وتتباين الممارسة المعتمدة من صحيفة إلى أخرى، حيث تنشر صحيفة ميونيخ آبندتسايتونغ جميع مواد النسخة الورقية على موقعها الالكتروني، كما تفعل برلينر تاغس شبيغل، في حين تنشر صحيفة برلينر تسايتونغ نحو 80 في المئة من مواد النسخة المطبوعة على الانترنت، وتبقي صحيفة دوناكورير المحلية التي تصدر في بلدة انغولشتادت في بافاريا نسختيها الورقية والالكترونية منفصلتين تمامًا. ولاحظ كراخ أن نحو 15 في المئة فقط من قرّاء زود دويتشة الورقية يستخدمون النسخة الالكترونية ايضًا.

المال
جميع وسائل الاعلام الالكترونية تلتهم الصحف الورقية جماعيًا بطبيعة الحال، ولهذا السبب تتقاضى 46 من اصل 332 صحيفة المانية اليوم رسومًا مقابل الاطلاع على مواد معينة على مواقعها الالكترونية أو على كل المواد حين يطالع القرّاء اكثر من 20 مادة في الشهر.

وفي الولايات المتحدة تعتزم الآن 450 من اصل 1380 صحيفة التعويض عمّا تخسره الصحف اليومية الورقية من ايرادات، بتقاضي رسوم اشتراك مقابل الاطلاع على محتوى، ولكن 2 إلى 4 في المئة فقط من القرّاء يدفعون رسومًا الآن لمتابعة الصحافة الالكترونية. ورغم أن صحيفة نيويورك تايمز لديها الآن أكثر من 650 الف مشترك رقمي، فقد تمكنت من اقناع اقل من 3 في المئة من قرّائها الالكترونيين بدفع أجور مقابل ما يقرأونه من محتوى.

وتنقل شبيغل اونلاين عن فرانك شيرماخر مالك صحيفة فرانكفورتر الغماينة تسايتونغ أنه يشعر بالاحباط إزاء نجاح أو فشل صحيفة نيويورك تايمز مؤكدًا quot;أن ما نواجهه هو القضية المتمثلة بقيمة العمل الفكريquot;، وبرأيه فإن هذه هي المسألة الأساسية حين يتعلق الأمر بتحديد ما يتعيّن تقاضيه عن قراءة الصحافة الالكترونية. واضاف quot;أن شركات عملاقة مثل غوغل تحاول استغلال العمل الفكري لزيادة أرباحهاquot;. ويعتقد شيرماخر أن الوقت حان لسؤال المجتمع quot;هل أنت مستعد لدفع حق أتعاب الصحافيين حين تكون أتعابهم شيئًا يستحق الدفع مقابله؟ وإذا أجاب المجتمع بالرفض فالذنب سيكون ذنبناquot;.

اللوحيات ترمي طوق نجاة للصحافة
يشتري الألمان ما مجموعه 380 الف نسخة الكترونية من الصحف الألمانية يوميًا، ورغم أن هذا يزيد مرتين تقريبًا على عددها العام الماضي، فهو يبقى رقمًا ضئيلاً جدًا. وتعتبر الكمبيوترات اللوحية فرصة جديدة للصحف، وتُستخدم منها الآن في المانيا زهاء 5 ملايين لوحي، وفي الولايات المتحدة يمتلك واحد من بين كل اربعة اميركيين كومبيوترًا لوحيًا. فهو تلفزيون متنقل ومواقع الكترونية وإعلام ورقي في رزمة واحدة، يجمع المجلات المصورة مع التقارير التحليلية في المجلات الاخبارية وصور التلفزيون المتحركة.

ولكن الأهم أن الكمبيوتر اللوحي، مثله مثل الهاتف الذكي، يمكّن المستخدم من البقاء على الانترنت باستمرار، ما يحدث تغييراً في المستخدم والانترنت والصحافة والمجتمع. فالقارئ لم يعد مجرد قارئ بل يعمل باستمرار على تغذية الشبكة بالنصوص والصور محولًا الانترنت إلى ارشيف يحفظ الحاضر.

ويستخدم الصحافيون هذا الأرشيف ويطورون اشكالاً جديدة وإعلامًا جديدًا في حين يفرض مستخدمو وسائل الاعلام الجديدة مطالب على وسائل الاعلام الورقية لا تستطيع أن تلبيها. وينشأ ببطء مجتمع تحريري من مواطني الانترنت، مجتمع لم يعد بحاجة إلى صحف كي تكون له كلمة ومساهمة في صنع الأحداث. وتبيّن مطاردة من نفذا تفجيرات بوسطن ما أصبح عليه هذا الشكل من الصحافة بلا صحافيين، من جبروت وذكاء وسطوة.

وعلى غرار الشرطة، أجرى صحافيو تويتر مقابلات مع شهود على التفجيرات ونشروا صورًا من مكان الحادث على الانترنت. وظهر في الصور اشخاص يحملون حقائب على الظهر، ثم يظهر الأشخاص أنفسهم في صور أخرى بلا حقائب الظهر. وبهذه الطريقة جرى التعرف على شاب يرتدي قبعة بيسبول بوصفه أحد المشتبه بهم وسرعان ما نُشر اسمه على غلاف نيويورك بوست.
واتضح أن الاعلام الجديد والقديم ساهما في العملية.

الجريدة
ايجاد توازن بين ما ينبغي أن يقرأه القارئ وما يريد أن يقرأه هو المهمة الصعبة التي تواجه جميع النسخ الالكترونية للمطبوعات الورقية الألمانية، لكنّ المحررين لا يستطيعون أن يمنعوا القرّاء من بناء جريدتهم الالكترونية الخاصة مما تقدمه المواقع الالكترونية، وكثيراً ما تكون جريدة القرّاء هذه أشبه بالصحف الشعبية على طراز التابلويد.

وتبين اهتمامات مستخدمي الموقع الالكتروني لصحيفة دي فيلت، أن قسم quot;بانوراماquot; هو الأوسع شعبية بتقاريره عن حمَّالات الصدر ومراجعة كتاب عن الجنس في البلدان العربية. إذ كانت هذه التقارير بين المواد التي نالت أكبر عدد من النقرات.

كما تبين مواقع الكترونية متخصصة أن لعبة سودوكو على موقع دي فيلت ذات شعبية واسعة في مؤشر إلى اشتراكها على صعيد هذه الاهتمامات مع قرّاء صحيفة تسايت اونلاين، النسخة الالكترونية لصحيفة دي تسات الاسبوعية. ومن المواد الأخرى التي لاقت اقبالًا كبيراً تقرير عن الجراحة التي أجرتها الممثلة انجلينا جولي لصدرها.

متواطئون خطرون
القارئ الالكتروني أخطر على الصحافي من قارئ الجريدة الورقية، فالصحافي يستطيع أن يأسر قارئ الجريدة الورقية ما أن يدفع ثمنها. ولكن القارئ الالكتروني قارئ مزاجي ومتقلب يصعب إرضاؤه لأن هناك موقعًا آخر أو شريط فيديو آخر أو أغنية أخرى لا تبعد عنه إلا مسافة نقرة واحدة. ولدى القارئ الالكتروني شريكان خطيران متواطئان معه هما شركات الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

فإن شركات انترنت كبرى مثل غوغل تمشّط الشبكة بحثاً عن تقارير وصور واشرطة فيديو تهم المستخدمين، وتقود القرّاء والمشاهدين المحتملين إلى المواقع التي توفر ما يبحثون عنه. ويقول الناشر شيرماخر quot;مع كل نقرة على غوغل أُقدِّم لمحرك البحث معلومات عن نفسي يستطيع أن يحولها إلى نقودquot;.

وتزداد أهمية مواقع التواصل الاجتماعي مثل فايسبوك وتويتر لوسائل الإعلام الالكترونية. فهي اصبحت نقاط تجميع حيوية للمواد الاخبارية حيث يوصي الآن ملايين المستخدمين بمتابعة موادهم ويرسلونها بالبريد الالكتروني.

ويحصل زهاء 20 في المئة من الاميركيين، أو ضعف عددهم قبل عامين، على غالبية أخبارهم عبر الشبكات الاجتماعية. ويقفز الرقم إلى 35 في المئة بين من اعمارهم 18 إلى 24 سنة. وبالنسبة للنخبة الرقمية العالمية، اصبح فايسبوك وتويتر منفذاً اعلامياً مفضلاً.

وقال كراخ إن مواقع التواصل الاجتماعي تزود الصحف بمعلومات أكثر من القرّاء أنفسهم quot;ونحصل على معلومات لم نكن نصل اليها في السابقquot;.

مشاركة متواصلة
تتكفّل الهواتف الذكية والكمبيوترات اللوحية بتيسير مشاركة متواصلة بلا انقطاع، ولكن عملها يختلف عن وسائل الاتصال الجماهيري في القرن العشرين. فالمواطن الرقمي يتواصل في مواقع خاصة وفي مجموعات مترابطة ومدونات، بين متابعين واصدقاء.

ويشعر كثير من المستخدمين أن الكمبيوترات اللوحية تمكّنهم من قراءة مواد طويلة بصورة أشد فاعلية من قراءتها في الجريدة، لا سيما وأن هذه المواد يمكن أن تُستكمل بأشرطة فيديو وتصاميم غرافيكية ومعلومات إضافية. ومع ذلك يبدو أن تطور الكائن البشري ابطأ من تطور ابتكاراته نفسها.

تضاعَف عدد اللوحيات في المانيا مرتين عام 2012 وبحلول عام 2016 من المتوقع أن يبلغ عدد الالمان الذين يستخدمونها 24 مليون الماني. وتشهد ملايين التطبيقات التي تُنزَّل من الصحف والمجلات الألمانية على الاهتمام بالصحافة بين أصحاب هذه الأجهزة.

ويثبت رهان الناشرين على إمكانية كسب قرّاء جدد لصحفهم الورقية عن طريق قنوات التوزيع الرقمية أنه وهم. وقال كراخ نائب رئيس تحرير صحيفة زود دويتشة تسايتونغ quot;علينا أن نبدأ بتقديم قصص جديدة ونستغل الامكانات التي يتيحها الكمبيوتر اللوحي. فهناك الصور التي تحيط بالموضوع من كل زواياه واشرطة الفيديو والغرافيك التفاعلي، بل كل الأشياء التي لا نستطيع أن نقوم بها في الجريدة الورقيةquot;.

وعلى الصحافة الورقية التي تأمل بتسويق نفسها في العالم الرقمي أن تتعلم من الصحافة الالكترونية، من الحوار مع القرّاء، من الأشكال ومن اللغة. وعلى الكلمات أن تخلي الطريق للصور واشرطة الفيديو والغرافيك في مواقع تكون الكلمات قاصرة فيها. فان إدارة جبال من المفردات ليس الطريقة المثلى لعرض نوعية الصحافة في عالم اليوم.

المقاومة
كانت صحف يومية عديدة تعتمد على كونها أشبه بفرد من افراد العائلة عند مستخدميها. فما أن تتبناها العائلة حتى تكون دائمًا متاحة، في موعدها، كيان موثوق ومعروف. إذ كان قرّاؤها يريدون المألوف وعلى هذا النمط صُممت الصحف. وقال بلوشنغر رئيس تحرير الطبعة الالكترونية لصحيفة زود دويتشة تسايتونغ quot;عُقد اجتماع في دار البلدية يوم أمس ويتعين كتابة شيء عنه، وهو اليوم في الجريدة. إن هذا التجميع التخطيطي يؤثر في أسلوب العديد من الصحف وفي كل الأقسام. ولكن الشرط الثاني للاحتفاظ بالقرّاء هو quot;أن هذا لم يعد يكفيهم اليوم فهم يريدون ما هو غير مألوف وليس ما هو مألوفquot;.

والشرط الثالث للبقاء، ان يعرف كل مكتب تحرير ما يجعله مكتباً لا غنى عنه، وعليه أن يشحذ صورته الذاتية وصورة صحيفته، وفي المستقبل سيبدل القرّاء كل ما يمكن الاستعاضة عنه بشيء مماثل يجدونه متاحًا على الانترنت.

ويرى جان اريك بيترز رئيس تحرير صحيفة دي فيلت، أن الضغوط الاقتصادية ستتزايد على مكاتب التحرير لأن المنافسة على الانترنت تخفض قيمة الاخبار اليوم. وقال: quot;في السنوات القليلة الماضية تناقص التشديد على الصحافة ونكتب الآن عناوين بارزة أكثرquot;. ولهذا السبب يتعيّن على كل مكتب تحرير، وهذا هو الشرط الرابع، أن يركز على ما تفعله صحيفته أفضل من الصحف الأخرى.

والشرط الخامس أن ما يميّز الصحف هم صانعوها، أي الصحافيون الذين يعملون متناغمين كالفرقة الموسيقية، ويقول كراخ quot;إنهم سيكونون مهمين في المستقبل ايضاًquot;.

وخارج مكاتب التحرير، يميّز الصحافيون أنفسهم على الانترنت حيث يصبح المدونون مع عشرات آلاف القرّاء علامات متميّزة وتجسيدًا للاستقلال. والشرط السادس هو عدم النظر إلى هؤلاء على أنهم خصوم بل شركاء في مناظرة كبيرة لا تقل أهميتهم لمكاتب التحرير عن بناء علاقة مسترخية مع كل المدونات ووسائل الإعلام الالكترونية.

المستقبل
تحقيق مزيد من الايرادات، تطوير قنوات توزيع جديدة، الانتاج بتكاليف أقل، تحسين النوعية واعادة اختراع أنفسنا، هذا هو برنامج الصحف الألمانية اليومية من اجل البقاء. وهو برنامج يبدو باردًا وجريئًا كالخطة التي أُعدت لإعادة هيكلة صناعة الفولاذ الألمانية قبل عشرات السنين. والعزاء الوحيد أن الصحف الألمانية لا يمكن أن تُكتب في الصين، لكي تباع في المانيا بأسعار بخسة.

في صحيفة دوناكورير في بافاريا يدرك المحررون هذه الهموم، ولكنهم يبدون في عالم آخر. ولا يريد رئيس التحرير غيرد شنايدر أن يكيل المديح لنفسه وصحيفته، ولكن توزيعها ظل ثابتًا طيلة العقد الماضي. وفي الحقيقة أن هبوط التوزيع بنسبة 0.8 في المئة الذي تشهده الصحيفة حاليًا يكفي لإثارة نقاش يتسم بالنقد الذاتي.

ودوناكوري صحيفة يومية ألمانية عريقة، متوسط عمر قرّائها 54 عامًا. ونسبة البطالة منخفضة في ما يُسمى المستطيل الذهبي الذي يتألف من ميونيخ ونورمبرغ وآوسبورغ وريغينسبورغ. إنها جريدة موثوقة، رصينة متحفظة، وليس في نيتها اجراء تغييرات جذرية قريباًـ بهذه المفردات يصف شنايدر صحيفته. ولا توجد مقالات مجانية من الطبعة الورقية على الموقع الالكتروني، وتبيع الصحيفة نحو 1000 نسخة الكترونية في اليوم.

نواقيس انذار
يروق لكثير من الناشرين المقتنعين بأن المستقبل ليس قاتمًا كما يصوره البعض، أن يشيروا إلى نجاح صحف محلية مثل دوناكورير. كما ينوّهون بأن زهاء 18 مليون نسخة من الصحف ما زالت تباع في ألمانيا وأن نحو 332 جريدة ما زالت مستمرة في الصدور. وما زالت الصحف تحقق ايرادات اجمالية قدرها 8 مليارات يورو، ومفردة quot;ما زالتquot; هي المفردة التي يستخدمها المتفائلون لطمأنة أنفسهم غافلين عن غلق أكثر من 50 جريدة بسبب الافلاس خلال الأعوام العشرين الماضية، وهبوط التوزيع 5 ملايين نسخة في السنوات العشر الماضية، وانخفاض الايرادات من الاعلان 1.3 مليار يورو منذ عام 2006.

قال بيل غيتس ذات مرة إن الجرائد الورقية ستنتهي بحلول عام 2000. وهو قول من نوع الأقوال التي تمنح الأمل لبعض رؤساء التحرير الذين ما زالت جرائدهم صامدة. ويراهن هؤلاء على الفكرة القائلة بأن القرّاء سيدركون في النهاية أن الصحافة الجيدة، حتى على الانترنت، لها ثمنها. ولكن ماذا سيحدث إذا كان 3 في المئة فقط من القرّاء، كما هي الحال اليوم، مستعدين لدفع ثمن عن هذا النوع؟ فالصحف ذات النوعية العالية لن تتمكن من الصمود ماليًا ما لم تحقق ايرادات كبيرة على الانترنت، كما يقول كراخ نائب رئيس تحرير زود دويتشة تسايتونغ. وحينذاك، كما يرى شيرماخر، ستتحول المنافسة المحتدمة الآن إلى معركة ضارية على حصة من السوق، إلى صراع من اجل البقاء، كما في نظرية دارون.

وبحسب شتيفان كازدورف رئيس تحرير صحيفة تاغس شبيغل، فإن المسألة في نهاية المطاف هي مسألة quot;كفاح من أجل ثروة ثقافية، مكون سياسي من مكونات الديمقراطية، من اجل تنوع الصحافة وتنوع الآراءquot;. وهذا برأيه يبرر كل ما يُبذل من جهود، ويعلو على حسابات الربح والخسارة والنماذج التجارية واستراتيجيات النشر.