قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

اللغة القبطية أهمية تاريخية كبرى ليس على المستوى المصري فقط وإنما على المستوى العالمي أيضاً، فالقبطية هي أخر لغة تطورت وانبثقت عن اللغة المصرية القديمة التي تحدث بها اجدادنا الفراعنة. ولا يخفى على أحد مدى الاهتمام الذي يبديه العالم بالتاريخ المصري القديم الذي يشهد على حضارة رائدة ومتفردة ومتميزة تعلمت منها كل الحضارات التي عرفهتا الإنسانية ولا تزال تنهل من علمها الحضارات بمختلف اتجاهاتها في زمننا الراهن. يرجع سر الاهتمام العالمي باللغة القبطية إلى رغبة الباحثين في تاريخ الحضارات في فك أسرار الحضارة الأهم على الإطلاق في تاريخ البشرية، ولذا تكاد لا تخلو جامعة كبرى عالمياً من قسم خاص بعلوم المصريات وباللغة المصرية القديمة بمختلف أشكالها ومنها القبطية.

الأمر في مصر اليوم يختلف تماماً عما نراه في الدول التي تبدي اهتماماً بالغاً باللغة القبطية، والصورة في البلد الذي تحدث القبطية ونشأت فيه الحضارة الفرعونية العريقة تبتعد تماماً عن الصورة التي نراها حول العالم. فقد اندثرت أو تكاد أن تندثر اللغة في بلدها الأصلي ولولا اهتمام الكنيسة الأرثوذكسية بتلاوة بعض صلواتها بالقبطية لما عرف أحد باللغة التي يتعلمها الكثيرون من الباحثين الأجانب المهتمين بالحضارة المصرية القديمة. وبكفي للتدليل على اهتمام العالم باللغة القبطية وعدم اهتمام المصريين بها هو أن مؤلف أشهر قاموس قبطي يرجع إليه المهتمون باللغة القبطية اليوم هو عالم القبطيات البريطاني والتر إوينج كرام.

تعرضت اللغة القبطية لحرب شعواء من العرب حين احتلوا مصر في القرن السابع الميلادي، فأمر الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (646-705) بإنهاء استخدام القبطية في الدوواين الرسمية واعتبار العربية لغة رسمية لمصر. عانى المصريون عندئذ تحت وطأة وجبروت الحكام العرب، إذ لم يُسمح لهم بالعمل طالما لم يتقنوا العربية وفي كثير من الأحيان إن لم يتحولوا إلى الإسلام. ورغم ذلك لم تمت القبطية عندئذ، إذ في الوقت الذي تخلى فيه المصريون الذين تحولوا إلى الإسلام عن القبطية، أبقى المصريون المسيحيون على لغتهم رغم كل القيود التي كبلهم بها العرب. وبقيت القبطية لغة غير رسمية استخدمها المصريون المسيحيون فيما بينهم وفي منازلهم وكنائسهم حتى القرن السابع عشر. وربما كان تمسك المصريين المسيحيين في ذلك الوقت باللغة القبطية سبباً في إطلاق لقب quot;الأقباطquot; عليهم وعلى أنسالهم.

تساورني دوماً تساؤلات عديدة بشأن الحال الذي تردت إليه اللغة القبطية،إذ لماذا تخلى المصريون بصفة عامة والمسيحيون بصفة خاصة عن لغتهم القومية وتبنوا لغة المحتلين في الوقت الذي احتفظت فيه شعوب أخرى كالإيرانيين والأتراك والأكراد وغيرهم بلغاتهم؟ ولماذا استسلم المصريون لرغبة المحتلين العرب في فرض العربية عليهم رغم أن المصريين لم يتخلوا أبدً عن لغتهم لأي من القوى التي احتلت أراضيهم قبل ذلك مثل الفرس واليونانيين والبيزنظيين؟ ثم لماذا المسيحيون المصريون فقط هم من تخلوا عن لغتهم في الوقت الذي احتفظت فيه أقليات مسيحية أخرى في العالم العربي مثل السريان والكلدان والأشوريين والأرمن بلغاتهم؟

ليس هناك شكاً في أن المصريين تعرضوا، حين سقطت مصر في يد العرب عام 639 ميلادية، لما لم يتعرض له أي شعب أخر من اضطهادات ومتاعب ومضايقات. كانت مصر في القرن السابع الميلادي منارة للإيمان المسيحي رغم مرارة الاضطهاد الروماني الذي تجرعته. وتطلب تحويل مصر من دولة قبطية مسيحية إلى دولة عربية إسلامية جهوداً جبارة من المحتلين العرب امتدت من القمع والتهديد والترويع إلى القتل والإبادة مروراً بهدم الكنائس والأديرة والحرمان من أداء الصلوات والإذلال عبر فرض الجزية والتجريد من كافة الحقوق.

من المؤكد أن كل هذه الاضطهادات التي تعرض لها المصريون عندئذ إضافة إلى المتاعب المتراكمة التي خلفتها نحو ألف سنة من الاحتلال الفارسي واليوناني والروماني لعبت دوراً كبيراً في خضوع المصريين لرغبة العرب في إحلال القبطية بالعربية وبالمثل إحلال المسيحية بالإسلام. ومن المؤكد أن المصريين ما كانوا ليتخلوا عن لغتهم ودينهم لو لم يتعرضوا لما كان يفوق طاقتهم على الاحتمال، ويشهد بذلك المؤرخون الذي كتبوا عن الحقبة التي شهدت الغزو العربي لمصر مثل ابن المقفع. ولذا فقد تردى حال القبطية حتى أصبح عدد القادرين على التحدث بها اليوم يقدر فقد بالعشرات.

ولكن إذ كان الإبقاء على اللغة القبطية في الماضي عملاً مستحيلاً بسبب الانغلاق الفكري للحكام العرب الذين حكموا مصر وتعصبهم للغتهم الأم، وبسبب حملات الاضطهاد التي كانوا يشنونها على المسيحيين المصريين، فالأمور تغيرت بشكل كبير هذه الايام. وربما كان على الأقباط اليوم استغلال الاهتمام العالمي الكبير بالحضارات والثقافات واللغات القديمة في إحياء اللغة القبطية عبر مشروع دولي ترعاه منظمات دولية كاليونسكو.

تبدو قضية إحياء القضية القبطية اليوم أكثر إلحاحاً من أي يوم مضى لأنه إذا كانت اللغات تحدد هوية الشعوب، فإن من حق المصريين أن يعودوا إلى هويتهم الأصلية التي كانت مصدر فخر لهم على مدار ألاف السنين. لا يجب أن ينظر لقضية إحياء اللغة القبطية على أنها أمر ديني، بل على أنها أمر قومي، فقد كان يجب على المصريين جميعاً مسلمين ومسيحيين الفخر بالقبطية كلغة وطنية، وكان من الواجب على الحكومة المصرية إدراج القبطية في المناهج المدرسية على الأقل كلغة ثانية مع العربية بدلاً من العمل على محو الحقبة القبطية من التاريخ المصري. ولكن من غير المنتظر أن يعمل المسلمون المصريون على إحياء القبطية التي تنازلوا عنها لمصلحة العربية لدوافع دينية.

يعد إحياء اللغة القبطية من الأمور الحيوية للقضية القبطية لأنها تمنحها البعد القومي اللازم. ولست أتصور قضية قبطية من دون لغة قبطية، وإلا باءت كل الجهود المبذولة لدعم الأقباط بالفشل. القضية القبطية ليست فقط قضية سلب حقوق المسيحيين المدنية والإنسانية، وليست فقط قضية حرمانهم من حرية العبادة، وليست فقط قضية عدم التصريح لهم ببناء دور عبادتهم، وليست فقط قضية ضياع حقوقهم السياسية، وليست فقط قضية أسلمتهم الإجبارية، ولكنها أيضاً قضية قومية وهوية وانتماء. لم يكن المسيحيون المصريون أبداً عرباً حتى وإن تحدثوا العربية، فالتحدث باللغة لا يعني الانتماء لها وإلا أصبح كل المتحدثين بالانجليزية انجليزاً وكل المتحدثين بالفرنسية فرنسيين.

يغضب الإسلاميون من المطالبة بحقوق المسيحيين المصريين ومن المطالبة بإحياء اللغة القبطية، فالإسلاميون يعتبرون المسيحيين أهل ذمة بلا حقوق ويرون في القبطية لغة الجاهلية في مصر ما قبل الإسلام. لا يزعجني غضب الإسلاميين المتطرفين لأنهم يغضبون لمجرد رؤية مسيحي أو كتاب مقدس أو صليب أو كنيسة أو أي رمز مسيحي. ولكني أتمنى ألا يقلق المسلمون المعتدلون من هذه المطالبات، فلا إحياء اللغة القبطية ولا الحقوق القبطية يجب أن يقلقا المسلمين، لأن المسيحيين متمسكون بالعيش المشترك مع أشقائهم المسلمين المعتدلين في وطن واحد يمنحهم حقوقاً متساوية ولا يميز بينهم على أسس دينية أو عنصرية.

من المؤكد أن مشروع إحياء اللغة القبطية إذا ما تبناه المسيحيون المصريون سيواجه بمشاكل وعقبات كبيرة من قبل الحكومة والإسلاميين على السواء. ومن المؤكد أن المشروع يتطلب وقتاً طويلاً وجهدا كبيراً وعملاً دءوباً ولكن من المؤكد أيضاً ان استرجاع لغة الأجداد مصدر الفخر والاعتزاز يستحق كل الجهود. وكم أتمنى أن يتحمس الشعب القبطي لمشروع إحياء اللغة القبطية فهو الخطوة الأولى على طريق طويل لاستعادة الحقوق الغائبة.

[email protected]