يلفت نظري بشكل متكرر، فهمنا الذي يحتاج إلى مراجعه وإعادة نظر إلى مفهوم الاستشارة، باعتبارها مفصلاً مهما، بل وحيوياً في النظام الإداري سواءً على مستوى مؤسسات الدولة أو على مستوى مؤسسات القطاع الخاص، وما ضل يلفت نظري دائماً هو أن هذا المفهوم يشوبه شيء من الغموض وعدم الوضوح بالشكل الملائم، وبالتالي فإن quot; وظيفة quot; الاستشارة كمفصل إداري ضروري لابد منه، تضل معطلة، أو هي تُمارس في أحسن الأحوال بطريقة خاطئة، تضر بأكثر مما تنفع.
وبالطبع فإن المدخل الوحيد والصحيح لمعالجة المشكلة يبدأ بالسؤال : من هو المستشار؟ وما هي وظيفته؟ وما هي مؤهلاته؟

يعتبر المستشار في الدول المتقدمة من أكبر المؤثرين في اتخاذ القرارات، الاستراتيجية والتكتيكية معاً، فهو الذي يمد صاحب القرار ليس بالمعلومة التي تساعده على اتخاذ القرار المناسب فحسب، بل ويعرض عليه منظومة متكاملة من خطط العمل والخيارات المختلفة، مع احتمالاتها وردود أفعالها، وهو يفعل ذلك مستنداً على قاعدة قوية ومتينة من المعلومات، وقياس الاتجاهات وعلي رصد دقيق لواقع موضوعه.

ومتحرراً من بروتوكولات الوظيفة الرسمية وتعقيدات الروتين الإداري، من خلال ذلك يستطيع المستشار أن يكون عَيْنًا ثالثة للمسؤول صاحب القرار تنقل له، المشاهد التي لا تستطيع، أو لا ترغب العين التنفيذية الرسمية نقلها لصاحب القرار لسبب أو لآخر.

وبداهةً فإن من تتم استشارته ينبغي أن يكون من المختصين في مجال موضوع الاستشارة وأن يمتلك رصيداً معرفياً وخبرة عملية في مجالها، تجعل منه مرجعية يوثق في رأيها، وواقع الأمر فإننا نجد بعض المستشارين الذين يفتقرون إلى الخبرة اللازمة، ولا تدري ما الذي يمكن أن يقدموه من رؤى تساعد صاحب القرار على اتخاذ القرار المناسب.

وغالباً ما تقف العلاقات الاجتماعية والمجاملات دوراً مؤثراً في تعيينات مثل هذه.
فإذا كانت وظيفة المستشار على نحو ما ذكرنا آنِفًا، فإن موقع المستشار يجب أن يكون في اتجاه معاكس لصاحب القرار، لأنه يبحث عن المعلومة التي ليست عند صاحب القرار حتى يلازمه المستشار مثل ظله يصاحبه في حله وترحاله، فالمعلومة التي يحتاجها صاحب القرار هي في مكان آخر تماماً، هي إما في quot; الواقع quot; الذي يقع خارج محيط صاحب القرار، وإما في بنوك المعلومات وإما بين الناس الذي يُتخذ القرار لصالحهم، ومهمة المستشار هي البحث عن مصادر المعلومات التي يحتاجها صاحب القرار، وأن يبلورها في شكل مقترحات عملية وواقعية وخيارات يضعها بين يدي صاحب القرار.

وطالما الحال كذلك فإن تطابق وجهات النظر المسبقة بين صاحب القرار ومستشاره لا ينبغي أن تكون هي هاجس أَيّ منهما، لأنك تلاحظ في كثير من الأحيان أن المستشار يكاد يكون مجرد quot; صدى quot; لصوت صاحب القرار، لاعباً دور quot; السيد نعم quot; على طول الخط.

ومستشار مثل هذا لا خير في مشورته إطلاقا، لأنها استشاره لا تضيف لصاحب القرار شيء، وبالتالي فإنه سيتخذ قراراته معتمداً على تقديراته الخاصة، والتي تكون في الأغلب مستنده على ما تنقله له التقارير التي يرفعها مرؤوسيه، والذي يمثل تزيين الواقع له هاجسهم الأول والأخير.

وليس لهذا النوع من الاستشارة يحتاج صاحب القرار ومتخذه، ولهذا يقال في مأثوراتنا العربية quot; لا خاب من استشار quot;.


أكـاديمي وكـاتب سعودي www.binsabaan.com