يقول طوني رايتون في كتابه "قوة الإقناع في دقيقة واحدة": "عندما تريد أن تَبْلغ مُرادك، استخدم كلمة (لأن) لتزيد من درجة إقناعك. يبدو أن الأشخاص يَتفاعلون مع هذه الكلمة كما لو كانت سَبَباً بحد ذاتها"، ثم يُضيف قائلاً: "وقد أَظهرت الدراسات أن لها علينا تأثيراً تنويمياً غريباً لأننا في أغلب الأحيان نَقْبَل بما يأتي بعد كلمة (لأن) من دون التوقف للتفكير فيه".


مع أن موضوع المقال ليس له علاقة بهذه الكلمة بالذات، إنما أردت أن أُمَهِّد من خلال هذه المُقدمة لأمْرٍ أكثر أهمية لأُبَيِّن خطورة بعض الكلمات أو الجُمَل التي باتت تُعتمد كأسلوب يُعتقد بأنها ستَحملنا على الإقتناع والتسليم فوراً أو على مراحل بأمور مُعَيَّنة. عَنَيْت بذلك تحديداً الجُملة الشهيرة جداً التي تَبدأ بها كثير من الأفلام وهي قولهم: " أحداث هذا الفيلم مَبْنية على قصة حقيقية"! أو أي فعل أو كلام آخر يَدور في فلك هذا المعنى.
عدة أسئلة تحوم حول هذه الجملة أبرزها اثنين: ما الهدف من استِباق الفيلم بهكذا عِبارة!؟ والثاني هل هو بالفعل مَبْني على قصة حقيقية!؟

بدايةً من البَديهي القول بأن سبب وضعها قبل بداية الفيلم أو على البوستر له أهداف تسويقية مادية بَحْتة فإنه لا يَخفى مدى تأثيرها على إقبال الناس وجَذبهم لشراء تذاكر السينما أو الـDVD. مثال على ذلك الفيلم الأمريكي الذي لاقى رواجاً كبيراً في نهاية التسعينات، وهو "مشروع الساحرة بلير"؛ فهل تُصدقون بأن ميزانية تصنيعه لم تتجاوز الـ60 ألف دولار، بينما الصدمة الحقيقية أنه حَقق إيرادات ضخمة قاربت الـ250 مليون دولار!!! أما السبب الكامِن وراء ذلك أنهم وَضَعوا كاميرا في إحدى غابات "ماريلاند" (حيث يقال أن هناك جرت أمور مخيفة) وبثوا منها مباشرة طوال الوقت عبر موقع صمموه على الانترنت وكتبوا " في تشرين الأول عام 1994، ثلاثة طلاب جامعيين ذهبوا إلى الغابة لتصوير وثائقي ولكنهم اختفوا هناك.. وما سترونه في الفيلم مأخوذ من كاميرات الفيديو التي تركوها خلفهم". كل هذا لإيهام الناس بأن ما حدث لهم هو شيئ مرعب وحقيقي. وبعد مرور كل هذه السنين وعلى الرغم من كَشْف "اللعبة" ما زال يوجد إلى الآن من يسأل هل ما جرى لهؤلاء الطلبة حدث بالفعل أم لا وهل المَشَاهد المُلتقطة واقعية!؟
أما الهدف الثاني وهو الأخطر بكثير، فأيضاً تسويقي ولكن من نوع آخر، فهو يهدف إلى تسويق أفكار معينة وإقناع الرأي العام فيها وترسيخ مفاهيم مُغايرة لدى شريحة كبيرة من الناس. وغالباً ما تكون هذه الأفكار لا تتعدى كونها نظريات ولكن يراد التسويق لها على أنها حقيقة ثابتة بحسب ادعائهم. ولولا مَخافة أن يَضيق بنا المقال لوضعت الكثير من الأمثلة التي تَمَّ التسويق لها عبر الكذب غير أنني سأقتصر وبشكل مُختصر جداً على فيلم آخر أسْموه "النوع الرابع" وهو يتحدث عن مجموعة حوادث اختفاء تَمَّ ربطها بخرافات وذلك في بلدة صغيرة في "ألاسكا". ثم أَظْهَرَت التحقيقات لاحقاً وبشكل مؤكَد أن شخصيات الفيلم واللقطات المُرْفقة معه والتي قيل أنها حقيقية كانت مُخْتَلَقة ولم يكن لها أساس من الصحة بالمرة وهي فقط من نَسْج خيال المُنتج والمُخرج ومن يقف وراءهما.
يَنبغي على الجميع معرفة أننا نعيش في دنيا مليئة بأناس أصحاب أَجنْدات خاصة تدير شتى أنواع القطاعات ولعل أبرزها على الإطلاق القِطاعين الإعلامي والسينمائي لِما فيهما من دور مؤثر على العقول. أمثال هؤلاء ومن على خطاهم لطالما بَنوا وما زالوا جسور التواصل على أكاذيبهم. وقد استعانوا بأدوات كثيرة لتنفيذ مآربهم ومنها تلك الجُمَل التي يَفتتحون بها أفلامهم والتي لها من حيث التقريب مفعول التنويم المغناطيسي، فكم وكم صادفنا أناساً يُناقشون ويَتَحدثون عن أمور مُعَيَّنة وعند سؤالنا لهم عن الدليل يقولون لنا لقد شاهدنا الفيلم الفلاني وهو مُقْتبس من قصة حقيقية!
ثم هناك أيضاً جانب تِقَني يَغْفل عنه الكثيرون ألا وهو أنهم في الغالب يقولون "مَبْني على" أو كما مَرَّ معنا سابقاً "مُقتبس من"، مما يعني أنه ليس حقيقي بشكل كُلي، فمن الممكن جداً أن يكون حصلت حوادث اختفاء في منطقة معينة ولكن في الحقيقة لم تَعدو كونها حوادث اختطاف من قبل تجار أعضاء مثلاً وليس مخلوقات مَزعومة!
فلنأخذ بعين الاعتبار كل هذه الحَيْثِيات ولا نَستسلم فوراً لمجرد رؤيتنا لعِبارة كتبها مُخْرج لا نعلم عنه سوى اسمه الذي بانَ في أول الفيلم -هذا على افتراض أننا انتبهنا له!- وأيضاً كي لا نقع في فَخ جُمَل وعناوين كعنوان هذا المقال!!!