في التعامل مع أوكرانيا والمجتمع الدولي، يواصل بوتين تكتيك الشد والإرخاء، الحار والبارد، التهديد والتطمين. ها هو " ينصح"العصابات الروسية المسلحة في المنطقة الأوكرانية الشرقية بتأجيل " الاستفتاء" حول الفيدرالية و"حق تقرير المصير" [ على نمط مسرحية جزيرة القرم]، فيرد هؤلاء بالإصرار، مع التعبير عن الاعتزاز ببوتين. لعبة مكشوفة، تدل بحد ذاتها على ضلوع روسيا& كليا في الداخل الأوكراني. كما يتحدث عن انسحاب القوات الروسية من الحدود الأوكرانية بينما يعين وزيرا لشؤون القرم التي احتلها كأمر واقع، بل، ويتحدى الرأي العام الدولي بنقل الاحتفالات بنهاية الحرب العالمية الثانية إلى جزيرة القرم بالذات. كل هذه المناورات والتحركات في وقت واحد.أما توصيف الأعلام الغربي لموقفه هذا، فهو "الحرص على التهدئة" وعلى البحث عن حل- علما بأن الإعلام الغربي يصف العصابات الروسية الإرهابية، المدججة بالسلاح والملثمة، وبينهم ضباط ورجال مخابرات روس وقوات خاصة تسللوا من وراء الحدود، بكونهم& "الانفصاليين الميالين لروسيا"! وخلال هذا، يتلقى بوتين دعوة الرئيس الفرنسي للمشاركة في احتفالات الشهر القادم بمناسبة ذكرى إنزال القوات الغربية على الأراضي الفرنسية عام 1944، مع أن أية قوات روسية لم تكن بينها، ولا شاركت في تحرير فرنسا،.ولكنها مبادرة الحذلقة الدبلوماسية وفذكة سحرها التي تأتي في غير وقتها وظرفها، ولابد وأن تزعج الأوكرانيين وغيرهم بعد أن تم نسيان الضحية شبه جزيرة القرم التي صار إلحاقها بمثابة الأمر الطبيعي..وفرنسا هي من بين دول الاتحاد الأوروبي التي لا تميل إلى الحزم تجاه روسيا، تشاركها ألمانيا وأسبانيا وإيطاليا، وإن الصعوبات والمصالح الاقتصادية والتجارية والغازية، مع عوامل أخرى، تفسر هذه المواقف التي لا تثبط بوتين عن المضي قدما في مخططه التوسعي، وباستخدام أنواع التكتيك، وسلوك مختلف الطرق: عسكريا و تخريبيا و تهويشا دعائيا و ابتزازا وضغوطا طاقوية، ألخ....
&بوتين يتلاعب بالمشاعر القومية الروسية، فينفخ فيها، مذكرا بروسيا القياصرة& وستالين، وداعيا لإعادة "عظمة روسيا الفريدة"، وهي في نظره روسيا القوة والإلحاق لا روسيا التي أنجبت عباقرة الأدب والفن والفكر والشعر. وروسيا المثلى عنده هي الجامعة لقوة القياصرة ودكتاتورية ستالين ودور الكنيسة والبوليس السري [ ك. ج.. ب.] وتفوق القوات المسلحة. إنه لا يتردد عن انتحال ذريعة هتلر في تبرير العدوان على الغير، وانتهاك الحدود وخرق القانون الدولي، ونعني هنا حجة الدفاع عن سلامة وحقوق الروس والناطقين بالروسية في أراضي الآخرين. وفي هذا الشأن، نرى من المفيد العودة للسياسات والممارسات الروسية زمن الحقبة السوفيتية، وما تركته من آثار في الذاكرة الجمعية لكثير من الشعوب والقوميات في أوروبا وآسيا.
بوتين يدعو لقانون يجرم من ينكرون جرائم النازية خلال الحرب العالمية الثانية، في الوقت الذي يجري فيه تمجيد ستالين بوتيرة متصاعدة، بالتركيز على دوره في الحرب وطمس جرائمه قبل الحرب وخلالها وبعيدها. ومقصد بوتين هو المزايدة بالمشاعر الروسية ضد النازية الهتلرية للتحريض ضد أوكرانيا، وذلك باتهام حكومة كييف وبرلمانها بالنازية، في عملية غش وتزييف للحقائق، على نمط الدعاية الغوبلزية. بوتين يرفع راية حقوق الأقليات الروسية في الخارج في الوقت الذي قام فيه هو نفسه& بقمع وحشي وشامل لشعب الشيشان خلال فترة رئاسته للوزراء، خالطا بين& الحقوق القومية لشعب الشيشان وبين عصابات من الإرهابيين الشيشانيين، كما يفعل أيضا[ هو والأسد وخامنئي] بالنسبة للوضع السوري. إن عشرات القوميات والشعوب قد عانت من الحقبة السوفيتية: اقتلاعا من أراضيها، وموتا جماعيا من الجوع أو في عمليات إعدام جماعية.
نبدأ بالشعب الأوكراني نفسه بعد الثورة.البلشفية. ففد حاول الشيوعيون الأوكرانيون استخدام لغتهم في الدوائر الرسمية والمدارس الابتدائية، وأدخلوا تاريخ أوكرانيا في مناهج الدراسة ، وبات طبيعيا جدا هناك الحديث عن الأمة الأوكرانية وليس فقط عن امة روسية. ولكن ستالين وقف بقوة ضد هذه المشاعر القومية الطبيعية والهادئة غير المتطرفة، وراح يردد أن حق الشعوب في تقرير المصير يقابله حق الطبقة العاملة في تعزيز سلطتها. وبهذه الذريعة قام بعملية ترويس شامل لأوكرانيا وبقية الجمهوريات والمناطق داخل الاتحاد السوفيتي. فقد فرص، على حد تعبير المفكر والقيادي الشيوعي العراقي الراحل عامر عبد الله، في كتابه "مقوضات النظام الاشتراكي العالمي"::"روسنة الحزب& والسكان"، حيث بلغت نسبة الروس في قيادة الحزب الأوكراني وقوام أعضائه 65 بالمائة، وبلغت نسبة الروس من سكان أوكرانيا 52 بالمائة. واعتبر ستالين الدعوة لتأكيد الهوية الأوكرانية دعوة بورجوازية رجعية، واتهم وزير الثقافة الأوكراني بتغريب الثقافة، بعيدا عن الثقافة الروسية "التي أنجبت لينين". ومنذ الثلاثينات، صارت القومية الروسية معيار كل شيء، وتم تعميم تدريس الروسية على جميع سكان الاتحاد السوفيتي. وفضلا عن كل هذه الإجراءات، راح ستالين ينحي ويضطهد القياديين الحزبيين والمثقفين والكتاب الأوكرانيين، الذين أصروا على مواقفهم، وكان أن انتحر وزير الثقافة الأوكراني. وجرى مثل هذا في بيلوروسيا، حيث أقصيت وزيرة الثقافة، واعتقل 90 بالمائة من الكتاب والشعراء، الذين قتل الكثيرون منهم واختفت آثارهم. وبين 1936 و37 تم تغيير قيادات جميع الجمهوريات والمناطق لمعارضتهم سياسة ستالين الترويسية، وتم استبدالهم بمطواعين انتهازيين أو بروس. وفي الثلاثينات، مات مليون أوكراني من القحط بسبب السياسات الزراعية الخاطئة لستالين..وبعد اتفاق ستالين مع هتلر عام 1939، ألحق الأول شرق بولندا بروسيا، وفيما بعد، غزا دول البلطيق وألحقها، وقام بترويسها، وهي استونيا وليتوانيا ولاتيفيا، وهي من بين الدول التي يعلن زعماؤها اليوم عن القلق من العنجهية الروسية التوسعية، وعن تحفظهم على المواقف الغربية غير الفعالة. وفي شرق بولندا، تم طرد مليون مواطن من أعمالهم قبيل الحرب، مما أدى إلى امتلاء المنافي بالبولنديين، فضلا عن الجيك. ومن جرائم ستالين الرهيبة خلال الحرب إبادة عشرات الآلاف من البولنديين،& من عسكريين و أسرى حرب ومن مثقفين، وقد دفنوا في مقابر جماعية غرب سمولنسك. وفي حينه، اتهم ستالين الألمان بتلك الجريمة، ولكن روسيا نفسها أعلنت أواخر الثمانينات أن الضحايا اعدموا بأمر من ستالين [ترى هل سيعود بوتين لاتهام الألمان!!]. فهل من عجب إن كانت الذاكرة الجمعية البولندية لم تنس ما فات، ولاسيما وهي ترى انبعاث وممارسة نفس الأساليب الستالينية، وبنفس عقلية التعالي الشوفيني الروسي؟ ومن الأمم، التي تم إبعادها من مواطنها إلى معسكرات العمل في شمال روسيا البعيدة أو إلى منافي سيبيريا وغيرها، تتار القرم المسلمون، والشيشان، والبسماج، والأنغوش، والكالميك [ عامر عبد الله ص317 ]
&ملاحظة: اعتمدنا في إعداد الموضوع، فضلا عن معلوماتنا الشخصية، على عدد من المؤلفات الموثقة وذات المصداقية، ولاسيما كتاب الراحل عامر عبد الله، مار الذكر، وكتاب" شبح ستالين" الصادر بالفرنسية عام 2007 لمؤلفه الروسي فلاديمير& فيودوروفسكي. وفيدروفسكي يبدأ كتابه بقول بوتين، وكأنه يفتخر،: "الشعب الروسي يمتلك تقليدا طويلا من وجود قياصرة أقوياء"،.. فالقوة، ودائما القوة، هي المرجعية المقدسة عنده... .]
&










التعليقات