في متابعة لمقالينا: " صفحات من التاريخ الروسي"، نشير لصدر صحيفة الفيجارو الفرنسية، وعليها بالحروف الكبيرة المانشيت التالي:" أوكرانيا في طريق التفكك"، وذلك تعقيبا على ما سمي بالاستفتاء في شرق البلاد، وطلب الانفصال للالتحاق بروسيا. طبعا، لو أن بوتين كان جادا حين دعا بطرف لسانه لتأجيل الاستفتاء المسرحي، لأطاعوه فورا، ولكنه استعمل، وكالعادة، فن التلاعب والمكر واستخدام أكثر من خطاب،& يفهم على أكثر من معنى.& وهذا فيما سوف يجري استقباله في فرنسا رسميا بمناسبة الإنزال الأنجلو- أميركي في الأراضي الفرنسية أواخر الحرب الدولية الثانية. فأية مكافأة!! مكافأة لا تقلل من غرابتها عقوبات غربية شكلية جديدة. ولعلنا اليوم أمام طبعة جديدة& ومنقحة من السياسات الغربية التي أدت لاتفاقية ميونيخ عام 1938 مع هتلر.
في هامش مقالنا الأول عن صفحات ماضية، أوردنا قول بوتين الشهير: " الشعب الروسي يمتلك تقليدا طويلا من حكم القياصرة الأقوياء". كان هذا في معرض التمجيد لا التنديد؛ فبوتين- كما ستالين- أعاد الاعتبار حتى لإيفان الرهيب، المعروف بمنتهى القسوة السادية وحكم الإرهاب. ويذكر أن ستالين، هو الآخر، أبدى إعجابه بذلك القيصر منذ الثلاثينات بعد أن كان منددا به زمن لينين.& وتعقيبا، يقول مؤلف كتاب " شبح ستالين":
" ستالين كان قيصرا قويا... على الصعيد الأيديولوجي، لعب بوتين بمهارة فائقة، وذلك بتحفيزه وتشجيعه لنقد لينين لحساب رد الاعتبار السريع لستالين، المعتبر اليوم رمز استقرار وأمن الإمبراطورية لدوره في الحرب ضد النازية. لينين كان يمثل الأيديولوجيا الشيوعية، أما ستالين فهو تجسيد لعظمة القياصرة وعظمة روسيا الخالدة." وبوتين هو من اعتبر تداعي الاتحاد السوفيتي اكبر كوارث القرن العشرين.
إن عملية تمجيد ستالين سارت، وتسير، جنبا لجنب مع عودة سطوة الأجهزة الخاصة، العزيزة على فلب الحاكم الروسي. وإذا كان& في الشارع الروسي كثيرون ممن يسيرون مع هذا التيار، مضللين بالدعايات المزيفة للحقائق، فإن أصحاب المصلحة الحقيقيين والدعاة الحقيقيين والأكثر حماسا لستالين هم الحلف غير المتجانس المحيط بالرئيس الروسي، والمؤلف من رجال الأجهزة الخاصة، وقادة الجيش، والمنتفعين سابقا زمن الحقبة السوفيتية، وفريق من رجال الأعمال، وأقارب ليلسين، ممن كان بوتين عند رئاسته الأولى في 2000 قد وعد بعدم ملاحقتهم بتهمة الفساد.
تخلت روسيا عن الشيوعية، ومضى زمن الحزب الواحد وأيديولوجيا الماركسية اللينينية كأيديولوجيا الدولة، ومحاربة الكنيسة الأرثوذوكسية، ولكن الحكم بقي حكم القوة ومعاداة الديمقراطية والتعددية ومحاربة المعارضين حتى باستخدام السموم والأحكام القاسية. وبوتين وطاقمه، الذين يسيطرون أيضا على ثروات البلاد، ولاسيما البترول والغاز، يحلمون باستعادة الجمهوريات السابقة بصيغ مختلفة، ويريدون عودة الهيمنة السياسية على الدول الشرقية ودول البلطيق. وبعد أن نجح في جورجيا عام 2008 بلا عقاب وقضم منطقتين هامتين من أراضيها، ها هو يحتل شبه جزيرة القرم، وعلى مقربة من ضم الشرق الأوكراني الصناعي، والعمل لجعل أوكرانيا دولة ضعيفة يمكن ابتزازها والتأثير عليها بلا عقبات كبيرة.
وبصدد الأيديولوجيا الرسمية، التي كانت سابقا هي الماركسية اللينية، تجري اليوم صياغة ثقافة ومناهج تعليم جديدة تمجد العظمة الروسية والكنيسة الروسية، وتنفخ في الغرور القومي، وتمجد القياصرة وفترة ستالين. سابقا كان الحديث عن أممية البروليتاريا والشعوب المضطهدة. وكانت العنصرية الروسية مدانة. واليوم، فإن الغرور القومي يتحول لمحور الأيديولوجيا والثقافة الجديدتين.
أجل، إن قرن القوة العسكرية بسياسة التحايل والمكر والتلاعب بالمشاعر وبالحقائق هو اليوم صك المرور والنجاح في عالم شُل فيه دور الأمم المتحدة ووجد فيه الطغاة والمعتدون والإرهابيون مجالات واسعة أمامهم بسبب الميوعة والتناقضات والمشاكل& الغربية والدعايات المشوشة. إنه زمن بوتين وملالي إيران ومن يسير معهم.ومثلهم& وها هو الغرب، وبدفع قوي من أميركا أوباما، على وشك التوقيع على اتفاق نووي مع إيران بينما يواصل نظام الفقيه جميع أعمال العدوان والتدخل في المنطقة. وتنظيم داعش لا يكتم، وعلنا، أنه لن يمس بسوء مصالح وأمن إيران. أما خامنئي، فيسخر مما يصفه ب"حماقة الغرب"، ويصرح عاليا " علينا إنتاج صواريخ بكميات كبيرة". وهو يعلن الفرح حين يقال له "إن القدرات الصاروخية الإيرانية باتت الأولى في المنطقة، والسابعة في العالم."
نجح نظام الفقيه في استغلال ضعف وتخبط أوباما، ومارس المكر والغش على مدى سنوات، فيما يتدخل عسكريا في سورية، ويهيمن على العراق، ويمارس الإرهاب من خلال حزب الله والمليشيات الشيعية في العراق.
أجل، إنه زمن القوة والتحايل والمكر...
&










التعليقات