مشهد المحاكمة في مسرحية عادل أمام (شاهد ما شافش حاجة) هو من أروع المشاهد الكوميدية التي شاهدتها في حياتي سواء الكوميديا المصرية أم الأمريكية. وكان أداء عادل أمام وباقي الممثلين المساندين أداء أكثر من رائع.
وكما ذكرت من قبل فإن الكوميديا لابد أن تعرض جزء من حياتنا بقليل أو كثير من المبالغة، لأن الكوميديا لا تستطيع أبدا أن تخرج من واقع المجتمع وإلا أصبح دمها ثقيل.
ومشهد المحاكمة هذا يعكس صورة صادقة للمواطن العادي والبسيط في مواجهة السلطة. وسرحان عبد البصير (عادل أمام) كان يقف مرعوبا أمام السلطة في المحكمة رغم أنه دخل بصفته شاهد، لأنه يعرف بضميره الإجتماعي بأن السلطة لا تفاهم معها سواء كنت جانيا أم مجنيا عليه أم شاهدا.
وأنا شخصيا لي تجربة من نوع الكوميديا السوداء حدثت لي من أكثر من 30 سنة من الزمان حيث كنت في زيارة لصديق في حي جاردن سيتي الراقي بالقاهرة وتركت شنطتي بالسيارة وبها مبلغ 3100 جنيه مصري كانت تخص الشركة التي كنت أعمل بها بالسعودية حيث أني كنت في مهمة بالقاهرة لإحضار مهندسين للعمل معي وهذا المبلغ من المال كان مخصصا لشراء تذاكر سفر للمهندسين. وكان بالشنطة أيضا جواز السفر الخاص بي وغيره من الأوراق الشخصية الهامة.
وعندما إنتهيت من زيارة صديقي خرجت وفوجئت بسرقة الشنطة من السيارة وكنت أعتقد أن حيا راقيا مثل حي جاردن سيتي لا يمكن أن تحدث به سرقات لذلك لم أهتم كثيرا بأخذ الشنطة معي عند صعودي لشقة صديقي.
ورجعت لصديقي وأخبرته بالأمر، فقال: لا بد أن نذهب لقسم شرطة قصر النيل والقريب من منزله للإبلاغ عن السرقة. وبالفعل ذهبنا سويا إلى قسم الشرطة، ورأيت لافتة مشجعة خارج مقر القسم تقول "الشرطة في خدمة الشعب" ومقر قسم الشرطة نفسه عبارة عن فيلا قديمة من الفيلات التي تمت سرقتها (أقصد مصادرتها) من أصحابها في فترة الستينييات من القرن الماضي!. وكما ذكرت تشجعت وقلت بما أن الشرطة في خدمة الشعب فلابد أنني سأجد الشنطة التي سرقت مني سريعا.
وبمجرد أن وطأت قدمي باب قسم الشرطة شعرت بإنقباض غريب حيث أنه كانت أول مرة في حياتي أدخل قسم شرطة وقلت في نفسي: "خير اللهم إجعله خير" وأخبرت الشرطي على الباب بمنتهى الأدب اللائق بمواطن مصري داخل قسم الشرطة: "أنا جاي أبلغ عن سرقة شنطتي من السيارة" وأجابني الشرطي بجفاء شديد وكأني (جوز أمه): عندك هناك الضابط النوبتجي. وبرغم جفائه إلا أنه وجدت لزاما على كمواطن مصري داخل قسم شرطه أن أشكره بشدة!
ودخلت عند الضابط النوبتجي والذي نظر إلي من فوق لتحت وبإمتضاض شديد قال لي: إقعد عندك دلوقت لما أخلص إللي في إيدي، ووجدت نفسي أشكره أيضا وبتلقائية شديدة لمواطن مصري داخل قسم الشرطة، وطبعا كلنا نعرف أن الأدب فضلوه على العلم وخاصة لو كنت داخل قسم شرطة مصري وكمواطن مصري حتى لو كنت مجنيا عليه فلابد أن تطبق قاعدة "الأدب فضلوه عن العلم" بإحترافية شديدة.
المهم جلست أنتظر وسبقتني حالتان، مواطن مصري مشاغب نسى أو تناسى قاعدة الأدب فضلوه عن العلم فنال من الإحترام الواجب ومن خدمة الشرطة للشعب على قفاه وعلى مؤخرته وعلى بطنه ما يكفيه من الخدمة والإحترام لعشر أعوام على الأقل. وللحق لم أعرف بالضبط ماذا فعل هذا المواطن وهل هو جاني أم مجني عليه أم شاهد، ولكني عرفت فيما بعد بأن تلك تفاصيل غير مهمة داخل قسم الشرطة المصري والمهم أن تتلقى الخدمة الممتازة داخل القسم والتي قد تكفيك ليس فقط لمدة عشر سنوات بل قد تكفيك مدى الحياه حتى تحرم مرة أخرى أن تسير بجوار قسم شرطة مصري.
وأنتهى الحال بهذا المواطن أن تم وضعه داخل التخشيبة (غرفة الحجز داخل قسم الشرطة)، ولست أدري أصل تلك التسمية هل لأنه في قديم الزمن كانت غرفة خشبية أم لأنهم كانوا يستخدمون عصي خشبية لتقديم خدمة الشرطة الواجبة للمواطنين.
والحالة الثانية أمامي كانت شاب مصري ساء حظه العاثر أن يدخل قسم الشرطة بصفته شاهدا على حالة تحرش جنسي لفتاه على كورنيش النيل. ولما تذمر لأنه تأخرعن أهله وطلب من الضابط سرعة أخذ أقواله ناله ما يليق بمواطن مصري داخل قسم الشرطة من خدمة ممتازة مثل كل الخدمات التي تقدم للشعب حتى لو كان المواطن شاهدا فالكل سواسية أمام القانون وخاصة فيما يتعلق بالخدمة.
ثم جاء دوري، فقلت له بإختصار عن سرقة الشنطة من السيارة ودار بيننا حديث شيق أذكر منه:
- إسمك وسنك وعنوانك
...
- الشنطة إللي أتسرقت كان فيها إيه
- كان فيها جواز سفر وأوراق شخصية ومبلغ 3100 جنيه
- والمبلغ ده بتاع إيه
- ده فلوس الشركة لشراء تذاكر سفر للمهندسين للسعودية
- يعني الفلوس دي مش بتاعتك
- لأ .. يا أفندم دي فلوس الشركة.
- آه... أصل الأسبوع إللي فات جه عندنا وكيل مكتب بريد القصر العيني بيدعي أن فلوس المكتب إتسرقت منه وبعدين إتضح إن هو إللي سرقها وأهو مرمي في السجن دلوقت
...
(إبتعلت ريقي بصعوبة كأي مواطن داخل قسم شرطة مصري وجد نفسه يتحول بقدرة قادر من مجني عليه إلى جاني)
- تقصد إيه حضرتك
- أنا قصدي واضح، يعني سيادتك تشرفنا هنا لغاية ما يجي صاحب الشركة بتاعتك وينفي عنك تهمة الإختلاس!
(وحاولت إبتلاع ريقي مرة أخرى ... ولكني لم أجد أي ريق لأبتلعه مثلي مثل أي مواطن مصري وجد نفسه فجأة متهما بالإختلاس بعد أن كان يعتقد بسذاجة شديدة أنه مجنيا عليه)
- أيوة يا أفندم بس صاحب الشركة ده في السعودية
- مش شغلي ييجي من السعودية ييجي من المريخ أهو سيادتك تشرفنا هنا لغاية ما ييجي صاحب الشركة.
(وفجأة نأدي بأعلى صوته):
- يا عسكري خد الإستاذ ده وخليه يقعد فوق في غرفة أمناء الشرطة لغاية ما نشوف حكايته إيه.
وحمدت ربنا على أنني لن أدخل التخشيبة مع غيري من المواطنين المصريين المحترمين ما بين جناة عتاه ومجني عليهم عتاه أيضا وشهود عتاه والكل يتلقى نفس الخدمات الممتازة، ويبدو أنني سوف أتلقى خدمة خاصة جدا في &غرفة أمناء الشرطة (فوق) وكلمة (فوق) في حد ذاتها كلمة تبعث على الطمانينة أكثر كثيرا من كلمة (تحت)!
ومن حسن حظي ودليل على أن أمي كانت داعية لي، أن صديقي كان لا يزال معي ولم يتخل عني رغم أهوال (الخدمة التي رآها بعينيه لكل فئات الشعب)، وأعطيت صديقي تليفون أخى الأكبر لكي يخبره أن شقيقه الأصغر يتلقى خدمة الشرطة ومحتجز في قسم الشرطة بتهمة أنه مجني عليه.
ومضي صديقي حرا طليقا، وطلعت مع العسكري (فوق) إلى حيث غرفة أمناء الشرطة، ووجدتها غرفة ضيقة مليئة بالمكاتب والكراسي المتهالكة. ووجدت شخصا يرتدي الملابس المدنية ويبدو أنه أحد أمناء الشرطة، وسألني:
- تهمتك إيه ياإستاذ
- تهمتي إن شنطتي إتسرقت!!
وإبتسم قليلا، ومن لهفتي على أي شعور إنساني سعدت كثيرا بإبتسامة أمين الشرطة، وكما يبدو أن الإبتسام هو شيء نادر في الشرطة التي هي في خدمة الشعب لأنه أثناء أداءها لتلك الخدمة لا يوجد لديها وقت للإبتسام والضحك مع المواطنين!
...
ومكثت مع امين الشرطة في غرفتهم وقت لا أعرف مقداره، ولكنه ممكن أن يقدر بالسنوات الضوئية، جلست على ذلك الكرسي المتهالك وأنا لا أعرف مصيري واصبحت معلق بأمل أن يكلم صديقي أخي ألأكبر وأن يكون موجودا بالبلد وأهم من كل هذا أن يعرف التصرف بأن يتصل برجل من علية القوم ليطلقوا سراحي. ووجدتني أعاتب نفسي أشد العتاب: أنت مجنون يا سامي تدخل قسم الشرطة برجليك لكي تستمع بخدمة الشرطة؟؟ ألم تعرف أن الداخل إلى أقسام الشرطة مفقود والخارج مولود؟
وبعد إنتظار حوالي ثلاث سنوات ضوئية جاء الفرج. وجاء عسكري وسألني عن إسمي فأجبته فقال لي: سعادة الباشا عاوزك (تحت) وبرغم إنزعاجي من كلمة (تحت) إلا أنني تفاءلت بكلمة (سعادة الباشا عاوزك) وصرفت النظر عن كلمة (تحت)!
وعندما نزلت(تحت) لسعادة الباشا الذي كان يحقق معي من حوالي ثلاث سنوات ضوئية، وجدته يقف إحتراما مادا يديه بالسلام على قائلا : إتفضل إستريح... سيادتك تحب تشرب إيه؟
ولسذاجتي الشديدة قلت لنفسي: آه كان فيه سوء تفاهم كان فيه حاجة غلط، هي دي الخدمة الممتازة للشعب من جانب رجال الشرطة، ولكن سذاجتي لم تستمر طويلا حيث أنه باغتني بسؤال:
- هو سيادتك تعرف سيادة اللواء أحمد عاشور؟
قلت له: آه ده يبقى أخو جوز إختي، لواء في وزارة الداخلية، &ليه خير؟
قال: أصل سيادة اللواء أحمد عاشور إتصل بمأمور قسم قصر النيل في البيت وأبلغه إن إحنا حاطينك في الحجز.
قلت: لأ ما لوش حق!
فقال: إنت مش قاعد معزز مكرم في غرفة أمناء الشرطة
قلت له: آه طبعا أنا كنت قاعد (فوق)!
أخيرا أطلق سراحي، وخرجت وإستمتعت بحريتي بعد ثلاث سنوات ضوئية وقلت في ستين داهية الشنطة والفلوس، وكلما أشاهد عادل أمام يقول في مشهد المحاكمة :"ده أنا غلبان" أتذكر شعار "الشرطة في خدمة الشعب"!
Twitter: @samybehiri
&
















التعليقات