قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

في يوم الإثنين الموافق 25 يوليو 2005م، نشرت جريدة أخبار الخليج البحرينية مقالا لي بعنوان "قرار الرئيس الحكيم - هل ينفذ؟". قلت في مقدمة المقال: "إعلان الرئيس اليمني – علي عبد الله صالح – عدم ترشيح نفسه لولاية جديدة كرئيس للجمهورية في الإنتخابات الرئاسية التي ستجري في اليمن في سبتمبر 2006م بعد فترة حكم إستمرت 27 عاما، هو بمثابة إنقلاب على ثقافة الحكم في الوطن العربي، وخروج عن الموروث الثقيل الجاثم على صدر الأمة العربية، ومخالف لما تعاهد عليه الحكام العرب في طريقة تخليهم عن السلطة، أي من القصر إلى القبر. وإن ما أعلنه الرئيس صالح من أن الشعوب ملت (زهقت) من حكامها، وأن الثورات قامت والإنقلابات العسكرية حدثت بعد أن تمترس الحكام فوق كراسي السلطة، هو قول صحيح تؤكده كل الشواهد والأحداث التي يموج بها الوطن العربي.
وكما كان متوقعا، فقد إختلفت الآراء حول جدية ذلك الإعلان المفاجئ، فهناك من قال أن الإعلان عبارة عن دعاية إنتخابية مبكرة، وأن الرئيس إذا قرر فعلا التخلي عن السلطة فسوف يسلمها إلى نجله – أحمد – قائد الحرس الجمهوري والقوات الخاصة بمكافحة الإرهاب، والبالغ من العمر وقتها 36 عاما. وهناك من قال أن الرئيس كان واضحا في حديثه وجادا في العمل من أجل تطوير مسيرة العمل الديمقراطي، وعلى القوى السياسية والإجتماعية اليمنية كافة أن تتعامل مع أطروحاته بمسئولية وطنية عالية".
وفي نهاية المقال قلت: " أن لدى الرئيس صالح خياران، إما أن يكون مثل الرئيس الراحل نلسون مانديلا، الإنسان الذي تنحني له الرقاب إحتراما وتبجيلا أينما حل لموقفه التاريخي بالتخلي عن السلطة طواعية لأشخاص يرى أنهم أكثر قدرة منه على العطاء وإدارة شئون البلاد، فرفع بذلك الموقف الوطني من شأنه الشخصي ومن مكانة بلاده في العالم. وإما أن يكون مثل ذاك الرئيس العربي الذي قاد حركة التحرير والتطوير في بلاده لسنوات طويلة، ولكنه للأسف الشديد أزيح من السلطة في ليلة مظلمة وبطريقة لا تليق بعمره، ولا بما بذله من جهد وتضحيات من أجل بلاده. وأن السبب الرئيسي لما تعرض له ذاك الرئيس العربي من إذلال في أواخر عمره هو معاكسته أو ربما تحديه غير المنطقي لسنة الحياة، ووقوعه في آواخر عمره تحت سيطرة فئة فاسدة". المؤسف أن الرئيس "صالح" لم يأخذ العبرة بما حل بذاك الرئيس وآخرين لحقوه تاليا، فلقي نفس المصير بعد الإنتفاضة الربيعية التي حدثت في اليمن، وأدت إلى إزاحته من السلطة بطريقة مذلة.
بقي الرئيس المخلوع في سدة السلطة لحوالي 34 عاما (منذ العام 1978 حتى 25 فبراير 2012 وهي أطول فترة حكم لرئيس في اليمن)، وذلك ليس بسبب كفاءته السياسية والإدارية، بل بسبب خبثه السياسي، حيث كان يقوم بتغيير تحالفاته القبلية من حين لآخر حسب المصالح والظروف السياسية، فهو يتحالف مع قبيلة ما لفترة ثم ينقض عليها قبل أن تقوى شوكتها وتتمكن من منافسته، وبعدها يدخل في تحالف مع قبيلة أخرى قد تكون معادية للقبيلة التي سبقتها. وهذا الأسلوب في ممارسة الحكم قد عبر عنه صراحة في إحدى المقابلات الصحفية أو التلفزيونية، حين سأل (بضم السين) وكان وقتها لا يزال في السلطة: كيف تمكنت من حكم اليمن لهذه الفترة الطويلة، فأجاب قائلا: حكم اليمن كالرقص على رؤوس الثعابين.
ومن الأسباب الرئيسية الأخرى لبقائه في السلطة لمدة طويلة، إحكام سيطرته على الجيش والحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية التي وضعها تحت قبضة نجله أحمد وأولاد إخوته وأصهاره والموالين له. فالحرس الجمهوري بمثابة جيش مواز للجيش النظامي، وربما أفضل تسليحا. ولما سأل في نفس المقابلة عن ذلك، أجاب بصراحة: حتى نمنع الإنقلابات.
لم يكن بإستطاعة الحوثيين السيطرة على صنعاء وكل مفاصل الدولة بهذه السرعة والبساطة لولا مساعدة الرئيس المخلوع، الذي لا يزال مسيطرا على الحرس الجمهوري والكثير من ألوية الجيش اليمني، ولم تكن هذه المساعدة حبا للحوثيين وهو الذي خاض ضدهم ستة حروب خلال مدة حكمه، بل إنتقاما من الشعب اليمني الذي أزاحه من السلطة بطريقة مهينة. هذه فلسفة أغلب الحكام العرب تجاه شعوبهم: "نحكمكم أو نقتلكم، وندمر البلدان على رؤوسكم".
منذ نشأة الجمهورية اليمنية، ظلت منظمة الأمم المتحدة تصنفها دائما ضمن قائمة 48 دولة هي الأفقر في العالم على الإطلاق. فهي تعتمد أساسا على المساعدات الخارجية وتكابد من أجل الحفاظ على بقائها الإقتصادي. أصبح اليمن اليوم مهددا بالتقسيم إلى دولتين إحداهما في الشمال والثانية في الجنوب وهو ما قد يغرق البلاد في أتون الحرب الأهلية المدمرة التي إكتوت بنارها في الماضي أكثر من مرة. يقول الباحث والأكاديمي "تشارلز سميث" من معهد الشرق الأوسط، تعليقا منه على هذه التطورات الخطيرة التي قد تغير الجغرافيا السياسية في المنطقة: "نحن نشهد الآن بداية تفكك وتقسيم اليمن من قبيل الأمر الواقع. قد تدخل البلاد في مسار تفاوضي طويل وصعب وقد تتجه بسرعة إلى الحرب الأهلية إذا تقاطعت العوامل الداخلية مع الأجندات الخارجية الباحثة عن حماية أو تعزيز مصالحها في هذا البلد الذي يحتل موقعا إستراتيجيا.
كما أوضحت منظمة "أزمات دولية – International Crisis" التي تتخذ من بروكسل مقرا لها أن سقوط الحكومة المركزية في اليمن قد قلب المسار الإنتقالي الهش رأسا على عقب، وزاد من إحتمال تفكك البلاد وإنهيار الإقتصاد وإستشراء العنف إذا لم يتم التوصل إلى حل وسط بين الفرقاء في اليمن. (المصدر: كورييه إنترناشيونال).
يخطئ الحوثيين أو غيرهم ممن يعتقدون أن بإمكانهم الإستئثار بحكم اليمن، فحلفاء اليوم قد يتحولون إلى أعداء غدا. هذا هو تاريخ اليمن منذ إسقاط حكم الإمامة وإعلان الجمهورية في عام 1962م، وعلى الحوثيين أن لا يفرحوا بسيطرتهم الحالية على جزء كبير من الدولة، والحلم بإرجاع حكم الإمامة غير واقعي أبدا.
اليمن، هو أشبه برمال الربع الخالي المتحركة التي لا تعرف الإستقرار والثبات، ومن يتوغل فيها يكون من الصعب عليه الخروج منها وأكثر الظن أن تبتلعه الرمال. اليمن إستعصى حكمه على الدولة العثمانية، والبريطانيين إكتفوا بالبقاء في عدن لمعرفتهم بطباع اليمنيين والطبيعة الجغرافية لليمن، وإبن سعود سعى إلى الصلح معهم مقتديا بالبريطانيين. أما عبد الناصر فقد إكتوى بحرب اليمن التي قتل فيها حوالي 35 ألف جندي مصري من أصل 70 ألفا جندي مصري كانوا يحاربون في اليمن.
يعد إغلاق أكثر سفارات الدول الغربية وبعض سفارات الدول العربية ومغادرة الدبلوماسيين اليمن، إشارة واضحة إلى أن الأوضاع تزداد تدهورا. أستطيع القول – وأتمنى أن أكون مخطئا – أن اليمن في طريقه إلى أن يكون سوريا ثانية، أرضا تتواجد عليها القاعدة وأخواتها، وتدور فيها حروب بالوكالة عن جهات إقليمية ودولية يدفع ثمنها الشعب اليمني. ولا يمكن الخروج من هذا المأزق إلا إذا إحتكم اليمنيين إلى عقولهم وسادت الحكمة بدل جنون العظمة.