قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

 لا نود هنا أن ندخل في متاهة أي جدل فكري حول ماهية المثقف، أو السعي الى تشخيص خصائص هذا الأخير و سماته، أو الإدعاء مسبقاً، بعقلية وثوقية، بأن ثمة حُدود نظرية حاسمة تُعين لنا معالم هذا الكائن و جوهره، و تُنهي لنا الحديث بصدده و تُوصد باب المناقشة و مجال التفكير، أو الإختلاف في الرؤى و التباين في التقدير. 

 نحن لانقول هذا و لا نرمي الى شيء من هذا القبيل، و إنما، بعكس ذلك تماماً، يَهُمنا أن يتعاطى الجميع مع عالم الأفكار و المفاهيم، أو المفردات و المصطلحات، بالمرونة والإجابية، أي القبول بتعدد وجهات النظر و تفهم إختلاف الفهم و التفسير، ذلك لأننا أصلاً بحاجة ماسة لمثل هذا التعاطي أو هذه المواقف لإهداف عدة، ربما أهمها هو أن نُجنّب أنفسنا أولاً من داء التعصب و التطرف و بالتالي نفهم البعض و نُحقق الإنفتاح لدرجة الوصول الى الحد الأدنى من التفاعل الفكري و الثقافي، خصوصاً إذا ما دار بيننا النقاش حول مسائل تتعلق بتصحيح المفاهيم الخاطئة و بناء الوعي على أسس نقدية تُساهم في ترميم العلاقات بين شعوب منطقتنا، منطقة الشرق لأوسط.

 والأمر هنا، بالنسبة لنا، إن كان متعلق بالمثقف أو غيره من الفاعلين الإجتماعيين، هو قبل كل شيء، مرهون بما نؤمن به نحن و ندركه، أو نتخيله و نتعاطف معه إنطلاقاً مما نتمتع به من قدرات عقلية و معرفية، أو ميول و إتجاهات، أي أن للكل في النهاية الحرية التامة في التفكير و التقدير، أو التقييم و التحكيم، و حتى إذا ما قيل أن رأي من هذا القبيل هو بمثابة سفسطة نظراً لتوافر أدبيات ضخمة لاتُعد و لاتُحصى تتناول موضوع المثقف و صوره، أو ماهيته و أدواره في المجتمع و تشرح لنا نماذج و تجارب أو مواقف و مشارب تأطر هوية المثقف الى حد ما، إلا أن هذه الحقيقة لاتلغي لنا، بالضرورة، إختلافاتنا الفكرية طالما كان الإختلاف هو نفسه جزء طاغٍ من وجودنا و سر من أسرار صراعاتنا و منافساتنا، فضلاً عن أنه فضيلة من أفضال الله إذا ما أحسنّنا معه الفعل و الممارسة و لم نبرر به و منه - كعادتنا!- بربرياتنا الفكرية و الفعلية تجاه الحياة و العباد!

 بمعنى آخر، نريد أن نقول أن الذات، في النهاية، جزء لايتجزء من معادلة المعرفة و مقاربة عالم الأشياء، و عليه فالمراجع و المصادر العلمية و الأدبيات و النتاجات الرمزية كلها، حول الظواهر و القضايا، ليست دوماً و في كل ظروف، أولى من المرجع الذاتي في تقدير الحقائق و قياس الوقائع، خاصة إذا ما أقرنا بأن مرجع المراجع أو صانعها، حول أي شأن كان، هو، في آخر المطاف، الإنسان ذاته!، نحن من ننتج الخطابات و الأفكار و الأدبيات و نحن من نمنحها أيضاً القيمة الثقافية و الحضارية أو الفكرية و الإجتماعية، و لهذا السبب بالذات، لا عيب في أن نتصور الأمور كما نراها، و لا ضير في أن يتجلى – مثلاً - الكائن الذي يُطلق عليه لقب"المثقف"، كما هو في أذهاننا، أي ظهوره في النمط الذي نعتبره الأفضل من بين الأنماط الأخرى، أو الدور الذي نعتقد بأنه الأمثل من الأدوار الأخرى، خاصة إذا ما فهمّنا مغزى التصنيف الأفقي الذي أشتغل عليه أنطونيو غرامشي (1891م-1937م) لتعيين مفهوم المثقف والذي يفيد بإن" المثقفين لا يشكلون طبقة مستقلة، بل إن كل مجموعة اجتماعية لها جماعة من المثقفين خاصة بها". الأمر الذي يعني أن هذا الفاعل الإجتماعي، يتمظهر في مظاهر عديدة،أو بين أوساط إجتماعية مختلفة و ليس محصور في مكان إجتماعي ما دون غيره.

 و من جانب آخر، لكوننا إنسان، فمن الطبيعي إذن أن نختلف في التوجه و التفسير، أو التقييم و التقويم إزاء ظاهرة المثقف أيضاً كبقية الأمور و المفاهيم، أو الحقائق و الوقائع، و لا غرابة في أن يكون لكل منا مفهوم خاص به للمثقف و يقيس به دور هذا الكائن الإجتماعي و وظائفه المجتمعية، ذلك لأننا أساساً نعيش في مجتمعات يخشى المرء فيها أن يعبر عن أفكاره و إتجاهاته بحرية، فضلاً عن إحتكار الكلام و منعه، إن كان مرد ذلك أسباب سياسية و إجتماعية، أو آيديولوجية ودينية!.

 أستطرد هذه الجُمَل لأسوغ بها ما أقوله هنا بناءاً على مبدأ الإختلاف في الرأي و النظر، و لكي أحكم على الأمور بمفهومي لا بإملاءآت الآخرين و لأقول بكل صراحة بأنه: إذا ما كانت إحدى صفات المثقف، هي التشكيك في الحقائق السائدة، أو الأجوبة الجاهزة، أو المعارف اليقينية، أو الثوابت الفكرية، أوالوقائع الوسائطية/ الميديائية الفائقة - على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي الراحل جان بودريارد- أو كل ما يجهض قدرات العقل النقدي و قوة التفكير فيما لا نفكر فيه، فأن المثقف العربي، بكل هذه المعايير و الصفات، هو كائن ضعيف و مشلول فكرياً، وخاسر للكثير من مقوماته كمثقف و كصاحب رسالة، خصوصاً تجاه بعض القضايا الإنسانية التي لم يتخذ منها أية مواقف معرفية و نقدية، أو أخلاقية و إنسانية تُذكر، بل لم توليها أساساً أي إهتمام حقيقي يُبَرهن لنا ما يميزه عن عامة الناس و يخرجه أيضاً من قوقعة هوياته القومية و الدينية، أو القطرية و الطائفية!

 و بالطبع، هذا الأمر بالنسبة لحال المثقف العربي و مواقفه، لايشمل الأصوات و الضمائر الحية التي قبل أن نذكر نحن هنا مواقفهم المسؤولة تجاه القضايا الإنسانية، تشهد لهم كتاباتهم و نتاجاتهم و مؤلفاتهم، و يعني هذا أن النقد هنا موجه تحديداً لاولئك الذين يخلو أدبياتهم و مواقفهم، أو خلفياتهم و تجاربهم حتى الآن من التطرق الى القضايا الإنسانية و الوقوف عليها موقفاً مشرفاً، نقصد القضايا التي عادةً ما يكون موقف كل إنسان متعلم و واعي منها بمثابة إمتحان له لنيل شرف هوية المثقف!

 و إذا نذكر هنا مثالاً عن تلك القضايا التي ربما تُخزي موقف الكثير من المثقفين العرب و تسيء الى صيتهم و تاريخهم، هو مثال القضية الكردية، قضية الأمة التي تتعرض منذ مئات السنين وأمام أعين العالم لشتى أنواع الظلم و الإضطهاد و القمع و الإستبداد على أيدي الأنظمة الحاكمة في المنطقة دون يهز كل ذلك ضمير المثقف العربي و يرفع صوته و يستقطب عقله و إهتماماته و يخرجه من سباته الفكري و الإخلاقي!، خصوصاً عندما يزور المرء، من حين لآخر، المعارض الدولية للكتب العربية في العواصم المختلفة، أو يطلع على منشورات دور النشر في الدول العربية و طبيعة مؤلفات المثقفين العرب و إهتماماتهم و القضايا التي تتضمنها نتاجاتهم و تُجسد مواقفهم، أو عندما يشارك الكتاب و الباحثين الكرد أحياناً في المؤتمرات العربية حول القضايا السياسية في منطقة الشرق الأوسط و الأوراق البحثية المقدمة فيها و المواضيع التي تشغل بال المثقف العربي دون غيرها. أو حينما نتفرج الى النتاجات الفنية السياسية الطابع و نقرأ في الصحف و المجلات أو على شبكات التواصل الإجتماعي و المواقع الإلكترونية، آراء و وجهات نظر الكثير من الكتاب و الفنانين في الشأن السياسي الخاص بالملفات الساخنة لمنطقة الشرق الأوسط و حال مجتمعاتها و أممها، أو أعراقها و أقلياتها، أو أطيافها و مكوناتها. 

 و الحق نقول، إذا كان على المثقف، قبل كل شيء، أن يدافع عن الحريات و الحقوق، أو العدالة و العدل، أو المعرفة و العلم، أو التفكير و النقد، فإن كل هذه السمات و المباديء، هي، للأسف – مع الموقف من القضية الكردية – تغدو شبه غائبة أو مهزوزة عند المثقف العربي، لانلمس منه أي أدبيات تُذكر عن هذه القضية ترتقي الى مستوى مشروعية القضية أو تسلط الضوء على حقائقها و تفاصيلها، أو أبعادها و خلفياتها و تساهم في توعية الشعوب العربية بمشاكل المنطقة و إخبار الرأي العام العربي بحقيقة هذه القضية لكي لا يصدم العالم العربي اليوم بإنفجار هذه القضية في أكثر من ساحة سياسية: العراق، تركيا، سوريا. و المثقف العربي هنا -من حيث التشكيل- لاينحصر دون شك في الكتاب و المفكرين أو الفنانين فحسب، وإنما يُقصد منه الإعلاميين أيضاً – ما عدا مرتزقة الكوبونات النفطية الصدانية !-، فضلاً عن النُخَب الفاعلة في كل الفئات و القوى الإجتماعية، ذلك لأن الكل، بشكل عام، يمثل في النهاية، وفق الإصطلاح الإعلامي، قادة الرأي في المجتمع، بل الصفوة المؤثرة و الموجهة لتفكير المجتمع إن لم نصفهم – بحد تعبير السوسيولوجي الفرنسي بيار بورديو (1930م-2002م)- المتلاعبون بعقول الناس!

 نعم، أن المثقف العربي يتحدث عن الإسرائيل والصهيونية، أو القدس و القضية الفلسطينية، أو الإحتلال الأمريكي و الغربي، أو الهيمنة الإيرانية و الصفوية الجديدة، أو الصراع الطائفي و المذهبي في المنطقة، لكنه يصيبه شيء من الصم و البكم و العمي عندما يجد نفسه أمام القضية الكردية و أبعادها، أو لايريد قصداً أن يعترف بها كقضية مشروعة بحاجة الى الدعم و المساندة، والأسوأ من ذلك كله، تعامل الكثير من المثقفين العرب مع هذه القضية حتى اليوم بنظرية المؤآمرة، أو الكلام بنفس الإسطوانة المشروخة القديمة التي تنظر الى الكُرد على أنه أسرائيل آخر في المنطقة!، الأمر الذي يشوه دوماً الحقائق و يزيف الوقائع بل يزرع الفتن و الصراعات الدموية المجانية بين أبناء شعوب منطقتنا منطقة الشرق الأوسط، و هذا ما نخشاه على الدوام و نعتبره من جانبنا بمثابة خيانة المثقف لرسالته و مشروعه الإنساني و الإخلاقي و الفكري. 

 

كاتب و إعلامي – كُردستان العراق