قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


تستحق الشعوب في المنطقة العربية الشفقة، رغم كل الإمكانيات التي تتمتع بها، مع تعداد ضخم، وثراء ثقافي، وأجيال متعلمة، قادرة على مساعدتها. لكن هذه الشعوب، وكما يبدو ستظل أسيرة لتابوهات تحقق مصالح دوائر ضيقة، سواء كانت ممثلة في السلطة، أو تجار الدين، من جماعات الإرهاب والتطرف. وهذه الشفقة ليست سلبية، لكنها نقدية، نظريا للإمكانيات العظيمة غير المستغلة، لدى هذه الشعوب، القادرة علي النجاح والتقدم، لو تغيرت معطيات النظام المجتمعي.

فحينما تسير في الغرب، وتعيش في مجتمعاته، ستجد أمر غريب، وهو أنه –قد- لا يوجد "أميون" تقريبا -من لا يعرفون القراءة والكتابة- وبالرغم من ذلك فمستوى الثقافة العامة، قد يكون لدى المواطنين هناك ضيقا. إذ يهتم المواطن في كندا وأمريكا وأوروبا بالقراءة والثقافة، التي تثري النواحي التي تجذبه. بمعني آخر، يسعى المواطن هناك إلى تحقيق وعي واستنارة هو المتحكم فيها، ونادرا ما يلجأ للثقافة السمعية، ولذا لا تستغرب عندما تجد بعض أصدقائك الغربيين، في هذه المجتمعات، ولا توجد لديهم وسائل اتصال في منازلهم، وتحديدا التليفزيون، الأداة الغالبة، للسلطة، لتشكيل وعي المواطن العربي.

في المقابل نجد أن المواطن العربي، يركن في جزء كبير على الثقافة السمعية، والتي غالبا وعادة ما تكون مشوهة ومغرضة. ولدينا في ثورات وانتفاضات الدول العربية، في مصر وسورية واليمن وليبيا وتونس، الدليل، إذ أن قطاعات كبيرة من المواطنين لم تشارك في هذه الأحداث الجذرية منذ بدايتها، وعندما تيقنت من نجاحها، خرجت للميادين العامة للتصوير فيها مع الجموع، لاعتبارات الذكرى، ولاعتبارات ألا تحسب على التيارات المناوئة لهذه الثورات والانتفاضات، بفعل ضغوط وسائل الإعلام.

على جانب آخر، هنا في الغرب، من يذهب إلى صندوق الانتخابات للتصويت، هو المواطن الواعي والمتعلم. يعرف هذا الناخب، المرشح والحزب والبرنامج الذي سيعطيه صوته. في حين أنه في مجتمعاتنا العربية ومنها المجتمع المصري، أنه كلما انخفض المستوى التعليمي كلما ارتفع معدل المشاركة الانتخابية، وكلما انخفض مستوى المدنية والتحضر ارتفع مستوى المشاركة الإنتخابية. هذه القواعد لا نستطيع الحكم عليها أو تقييمها وفق قواعد الديمقراطية الغربية، التي تعد بمثابة ضرب من الخيال لا يناسب، لن أقول خصوصية مجتمعاتنا العربية، ولكن لا يناسب معطيات مجتمعاتنا العربية.

فجماعات المصالح، ومنها التيارات الدينية، والجماعات الدينية المتاجرة بالدين، أكثر قدرة علي التعبئة السياسية بين المواطنين، من ذوي المستويات التعليمية والوظيفية والاجتماعية والحضرية المنخفضة. والغريب في الأمر أن هذه الجماعات المتاجرة بالدين أكثر قدرة على التعبئة الجماهيرية من الأحزاب السياسية، حتى التاريخية منها، مثل حزب الوفد، الذي تحالف مرات عديدة صراحة أو في السر مع جماعات دينية.
يضاف إلى هذا اعتبارات الانتماء الأولية، الخاصة بالانتماء إلى عائلة أو قبيلة أو عشيرة كبيرة، في منطقة جغرافية ما، وهو أمر لا يوجد في المجتمعات الغربية، حيث الأسرة "النووية" صغيرة العدد، ومتنوعة المواقف والتوجهات.

خلاص المجتمعات العربية، وتحسين ظروفها، يأتي عبر الاهتمام بالمواطن البسيط، مع التركيز علي تعليمه، وإصلاح هذا التعليم المسيطر عليه من قبل تيارات سياسية مغرضة، أفسدت الضمير الجمعي العربي، وأكدت أن أنساق القيم التي يتم غرسها لا تحض إلا علي الكراهية والحرب والقتل، بعيدا عن غرس قيم التعليم والابتكار والتنمية والتطور.

المواطن العربي، مواطن قادر وناحج، طالما توفر له نظام مجتمعي محفز، وهذا ما يسفر كثرة النماذج الناجحة العربية، في المجتمعات الغربية، لأن النظام هناك بالمعني المجتمعي الشامل، رغم تحدياته، إلا أنه نظام محفز، يتقبل ويطور من يساهم في جهود التنمية، وليس جهود القتل والإرهاب وعزل الآخرين.

أمر آخر يجب أن تنتبه إليه المجتمعات العربية، يتمثل في أن الفئات التي تعاني التمييز السلبي فيه، هي الفئات التي تتمتع بالتمييز الإيجابي في المجتمعات الغربية، ففي المجتمع الكندي تجد أن النساء والأطفال وكبار السن، بالإضافة إلى الأقليات من (السكان الأصليين الأوتوكوتون، وكل من يعتبر نفسه أقلية) يتمتع بتمييز إيجابي، دون أن يكون هذا علي حساب البقية، لغرس الانتماء للمجتمع وتنميته وتحقيق التوازن المجتمعي.
ولهذا كان من الطبيعي أن كل النماذج العربية الناجحة في المجتمعات الغربية، هي نماذج ناجحة في قطاعات التنمية المختلفة، وليس في مجالات السياسة. ويعود هذا الأمر إلى أن المجتمعات الغربية، الديمقراطية الحقيقية فيها، التي تناسب معطياتها، تقوم علي التنمية كقاعدة أصيلة. ولذا كما يميل الغربيون من أصول أفريقية لاثبات تفوقهم في ميادين الرياضة، يميل الغربيون من أصول عربية لاثبات تفوقهم في ميادين المعرفة والتنمية.

هذه الرسالة تؤكد أن المواطن العربي، ليس أقل من المواطن الغربي، ولكن الفارق المفصلي، يتمثل في النظام في المجتمعات الغربية، والنظام هنا بالمعني القانوني والسلوكي في سياقه الشامل، ليس مجرد قوالب ديمقراطية يتم استيرادها من الخارج، لأنها ستكون قوالب وديمقراطية مشوهة، لا تقوم على قواعد أساسية، وهي قواعد التنمية. وطالما غابت التنمية عن المجتمع، فلن تكون به ديمقراطية حقيقة بالمعني السلوكي والممارسة.

إن نجاح جهود بناء قاعدة تنموية في المجتمعات العربية، سيجعل من المواطن رقيبا مجتمعيا وسياسيا علي قرارات صانع القرار. فالفقر والجهل، وتفشي الفساد بدون محاسبية، يدفع المواطن البسيط للتحايل علي أجهزة الدولة، للتنصل من الواجبات المفروضة عليه، من بينها دفع الضرائب، ويرى في هذا قمة النجاح، مبررا لنفسه حقه في هذه السلوكيات، بالفساد المتفشي بين أوساط ليست بالقليلة لدوائر صنع القرار.

في حين أن المواطن الغربي، يري أو كل دولار أو يورو –أيا كانت العملة المستخدمة- يدفعه للخزانة العامة يجب أن يقابله أداء راقيا يستحق أن يمول المواطن العادي الخدمات العامة. فالسياسي والموظف الحكومي، يعمل لخدمته، ويتقاضي راتبه في جزء من تمويله، من الضرائب التي يدفعها. ولذا فإنك هنا تجدى أرقى مستويات المعاملة يتمتع بها المواطنون والمهاجرون في مجتمع مثل المجتمع الكندي. في المقابل، تجد أن الموظف في الدول العربية – باستثناء دول الخليج- يدخل في حلقة مفرغة من النصب والتحايل للحصول علي راتبه دون عمل –تقريبا- مع الحصول علي مقابل غير رسمي في صورة إكرامية أو رشوة، علي اعتبار أن هذا أمر عادي.

إذا أردنا إصلاح أحوال المجتمعات العربية، يجب علينا أن نتبني خطط طويلة الأجل علي مدار عشرين وأربعين عاما، لإحداث إصلاح حقيقي في التعليم والمجتمع، والقضاء علي صور الفساد، التي أصبحت أشبه بالمقننة، وهي في مصر عميقة، ومن صورها توريث المناصب في مؤسسات سيادية صانعة للقرار كالقضاء والخارجية والداخلية وغيرها من قطاعات تشكيل وضبط الوعي المجتمعي.
وحتى يتحقق هذا الهدف، فالمجتمعات العربية في حاجة لظهور جيل جديد من المفكرين والمبدعين وشباب الفلاسفة، القادرين علي التواصل مع وسائل الإعلام – غير المغرضة مع السلطة أو المعارضة أو الجماعات المتاجرة بالدين- لتوعية الجماهير، أن الحل هو الشعب. فالدين ضروري لتحقيق التوازن النفسي الأخلاقي علي المستوى السلوكي. وإذا صحت سلوكيات المواطن، وفق معطيات الدين والضمير، فسيكون قادرا علي التمييز بين الصواب والخطأ، بعيدا عن إرهاب الآخرين وتدمير المجتمع.

كان الآمل في الشباب، الذين أفرختهم الثورات والانتفاضات العربية، التواصل ونشر قيم تنورية وتنموية وتطورية، تنتشر بين ملايين المواطنين. ولكنهم كلهم تحدثوا فقط عن السياسة –والديمقراطية الغربية وقوالبها المستوردة- دون الاهتمام بقاعدة الديمقراطية، ألا وهي التنمية، ولهذا انصرف عنهم قطاعات عريضة من الشعب، وفقدوا ثقتهم بسرعة. وعلى مدار 4 سنوات، سرعان ما برز نجمهم، ولكن سرعان ما اختفوا من علي الساحة.

إن الفشل في توظيف اللحظات التاريخية، بصورة إيجابية لمصلحة الشعوب، لن يتكرر كثيرا، وكلما تأخرنا في إطلاع تعليمنا العربي، لمواجهة الفقر والجهل، وبث الثقة بين المواطن والدولة –بمعني أجهزتها والقائمين علي إدارتها، سيستمر الحال علي ما هو عليه، ولن يستفيد من هذا الوضع، إلا قلة، تعمل علي تعظيم مصالحها، وبقاء جموع الشعب في دوائر مفرغة من الفقر والجهل والتخلف، حتى لا يتغير الوضع القائم، للأفضل، فيما يحقق مصلحة المجتمع والأوطان.