"Berî bi delêv gînê derligên xwe vedimalê"

قبل أن يصل الى الشطِ يشمر عن ساقيه

مثل كردي

من المؤكد أن الظروف القاهرة تسمح بظهور الكثير من حالات الشواذ في المجتمعات التي تحكمها الظروف القاسية، وقد يكون طبيعياً جداً ظهور نماذج سلوكية مغايرة للسائد ومتعارضة معه، بما أن الناس مختلفون في قدراتهم على تحمل المصاعب الحياتية، فمنهم من لديه القدرة على التأقلم مع أي واقع جديد مهما كان قاسياً ذلك الظرف الطارئ، ولكن بدون أن يخسروا شيئاً من مكامنهم الجوهرية، حيث يدخل أولئك الأشخاص عادةً ضمن قائمة الأسوياء من بني البشر، بينما ثمة من لا قدرة لديهم على تخطي أول ساتر حياتي أمامهم، وهذا مقبول أيضاً إذا ما بقي ضمن الحالات الفردية في المجتمع، ولكن الاشكالية هي في وجود مجموعات بشرية تحمل تلك الطباع المستسلمة سلفاً لأي واقع جديد، وهذا إذا ما دل على شيء فإنما يدل على مدى الخور الثقافي والبنيوي لدى تلك الفئة من الناس.

وحقيقة فإن المشهد الخنوعي لبعض أناس بلادي أمام عظمة الآخر وتأليههم من قِبله، والتوق الجماعي الجاهز والمهيأ للخضوع والانصياع الحضاري السلِس، يذكرنا بمقطع من فيلم:(ألغاز وإثارة) وهو فيلم فرنسي تم إنتاجه عام 2002، وهو من إخراج (غاسبار نوي) ومن بطولة الممثلة الإيطالية مونيكا بيلوتشي وفينسنت كاسل وألبرت دوبونتيل، كما أن الفلم تنافس على جائزة في مهرجان كان السينمائي في سنة 2002، وفي مهرجان ستوكهولم السينمائي العالمي بجائزة أفضل فيلم، حيث يدور الحدث الرئيسي فيه في ممرٍ ما، وذلك عندما تلج إحدى الفتيات نفقاً لتقطعه الى الجانب الأخر، إلا أنها تتفاجأ بشخصٍ يحاول اغتصاب امرأة ما وسط النفق وهي تقاوم فعل الاغتصاب، ومن شدة خوفها مما رأته ارتجفت رعباً من هول المشهد، عند ذاك رأى المغتصب الهلع المسبق بادياً على الفتاة التي ولجت النفق لتوها، بينما التي بين يديه فلا تزال مستمرة في مقاومتها له، عند ذاك يُفلت المعتدي تلك التي بين يديه ويتجه نحو التي أعلنت استسلامها مسبقاً حتى قبل حدوث فعل الاغتصاب.

وباعتبار أن الكثير من الشرقيين المتغربنين مستلبين ثقافياً حتى قبل وصولهم الى تلك البُقع الجغرافية، لذا هم الأسرع الى الاستسلام القيمي، حالهم كحال تلك الصبية في ذلك النفق، وهم الاكثر عرضة للتلاشي والاندثار في قيعان مالكي البلاد باقتصادهم وثقافتهم، ومن هوس الاحتذاء ربما تلاحظ بعضهم أي اخواننا الدخلاء وهم على هيئة دونكيشوت سرفانتس في مغامراته الوجودية، لذا قد ترى واحدهم وهو من باب الاستباق يجرب تقليد لاعبي الوثب العالي باستمرار، مع معرفته تماماً بأنه لا يمتلك رشاقة ذلك الذي يحاول جاهداً للحاق به، مقتفياً أثره في المحاكاة حتى ولو ساقته القفزات الى الهاوية، فمعروف أن أوروبا بعدما قارب الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي فيها حوالي المئة عام، وقدرت معظم حكوماتها أن تكون بدل الأب والأم للفرد الغربي، حيث أن تلك الحكومات التي استطاعت على تقوم بكامل واجبات الأسرة فيها اسوة بالعائلة أو بالنيابة عنها، كما أن مؤسسات المجتمع المدن غدت رديفة للحكومة من ذلك الجانب المتعلق بالسعي لسعادة المواطن ورفاهيته، إذ بعد هذه الأشواط الطويلة والممتدة لعقودٍ وسنوات حتى بدأت الاسرة عندهم تتفكك ويتجه المجتمع نحو الفردانية الحياتية، إذ بناءً على المورث الاقتصادي والفكري والتاريخي المتراكم راحت تلك المجتمعات تتجه تدريجياً نحو التفكك الاجتماعي، أي بناءً على ثقافة القرون الغابرة لشعوبهم مع اكتمال مفهوم الدولة عندهم، ومحاولة الدولة في أن تحل مكان العائلة في تأمين كافة مستلزمات الحياة للأسرة، بينما الشرقي المتملص لتوه من عنق العشيرة، والخارج منذ بضع شهقاتٍ من حظيرة الدكتاتورية، وباعتباره قد يكون قرين دونكيشوت في الوثب العالي، فمن فرط عُقد الاختلال لديه، وشوق التشبه بالآخر وتقليده، راح يحاكي بدنَ الخفاش في خلع أسماله حتى قبل أن يحظى بحق المكوث في تلك المقاطعات الجديدة من خريطة العالم، وبدأ بنتف وبره قبل الوصول الى المغارة التي سيتخذها مأوى له في تلك القارة، إذ قبل أن يطأ المعنيُ تراب أوروبا، وبينما هو لا يزال في البلمِ وسط المياهِ، أو مرمياً على حدود الدول راحت تتسرب إليه بوادر التفكك الاجتماعي والذي استهلها أولاً بتفكك أسرته بدون تاريخ أو أسباب أو مقدمات نظرية لذلك التغيير الذي طال بالغربي قروناً حتى توصل إليه، بينما الشرقي الفاقد توازنه من كثر إفراطه في كرع كؤوس الانبهار والتماس حق الاعتياش، ومن أجل الحصول على مأوى له في حجرةٍ ما من العالم المتحضر، قرر المبادرة بتفكيك أعمدة وعوارض الأسرة ليتحدى بذلك سيرورة وصيرورة التطور في أوروبا كلها في شهرٍ واحد.

إذن فهل لاحظتم شوق الشرقي وبهلوانات المتغربن وصرعات التقدم لديه؟ حيث من تعجل ذبذبه وقفزاته الهائلة في هواء الحضارة، صار ينتقل بسرعة الضوءِ من حالٍ الى حال، بل ومن فرط الحماسة وشوقه المحراق لمبارزة الغربي في عقر داره، تراه فاقداً كل ما له علاقة بما يسمى بالثوابت السابقة لديه، والتي عادة على أي كائنٍ حي مهما كان مستواه البيولوجي متواضعاً أن يتحلى بهاـ لا كمسؤول عن سربٍ بشري، أو كشخص اعتباري في قطيعه الضخم، إنما فقط كنسخة من النسخ الانسانية الراضية عن ذاتها.

ولكن على ما يبدو فبخلاف ما يشير إليه أصحاب الفكر الذين يصرون على أن الخصوصية الثقافية للمجتمعات تشكل أحد الثوابت المرجعية التي يمكن لكل مجتمع أن يخلق منها قيمه المرجعية، يلاحظ مدى هشاشة بُنى مجتمعاتنا التي تبدو للعيان في الشتات وكأنها قشة في وجه ريح، إذ أن أول ما يضمحل في بناهم السلوكية والفكرية والاجتماعية هي الملامح والسمات التي تشكل هويتهم الثقافية كروضٍ من رياض الثقافة العالمية.

عموماً فقراءتنا ليست متعلقة بإدانة ممارسات الدخيل وخنوعه أمام قوة الهيمنة الثقافية للآخر، ولكننا في الوقت عينه لا نخفي رأي بعضهم بأن الفئة الاجتماعية التي تفتقد خلال بضع شهورٍ أو سنين خصوصيتها، ربما تكون أشبه بفِرق بشرية على هيئة النعجة دولي، تلك النعجة التي لا خصوصية بيولوجية لها إلا بكونها نتاج معامل الاستنساخ المتعولم.

لذا نرى بأنه ثمة فرق شاسع في أن يكون المرء من القطيع أو من الشعب، لأن الانتماء للقطيع لا يتطلب من المرء شيء غير اتباع الغريزة البهيمية كأي كائن غير ناطق، أما إذا كان من الشعبِ فيتطلب الأمر منه بأن يكون الوعي هو الذي يقوده وليس اللاوعي هو الذي عادةً ما يعيده إلى حالته الغريزية الأولى، كما أن للشعب سمات وملامح وخصال ثقافية لا تخطئ عين الناظر أو فهم السائل ومسامعه، وعليه عندئذٍ تمثل تلك الصفات والميزات الخاصة به، وإلا فإن حظيرة العولمة لن تراعي هويته طالما أنه استساغ أن يكون من أهل الحضيض وليس من أهل القمة.